لبنان: عندما يصبح التاريخ مادة إعلانية، والضحك وسيلة للسيطرة

في يوم من الأيام، وفي قاعة اجتماعات فاخرة في بيروت، قرر اللبنانيون (أو بالأحرى، بعض اللبنانيين) أنهم بحاجة إلى “إعادة تدوير” لبنان. كان هناك ممثلون عن السنة المعتدلين، الذين جاؤوا وهم يحملون أجهزة لوحية مليئة بالجداول البيانية، وممثلون عن المسيحيين، الذين جاؤوا وهم يحملون كتب شعر قديمة وكأنهم في رحلة مدرسية. كان هناك أيضًا عدد من المسؤولين، الذين كانوا يحاولون جاهدين ألا يضحكوا بصوت عالٍ، ومجموعة من الخبراء الأجانب، الذين كانوا يتناولون الطعام بهدوء، وكأنهم في نزهة.

أطل علينا الإعلامي السني البارز، وهو يتحدث كما لو كان يقدم برنامجًا صباحيًا، وأخبرنا أن الحل يكمن في “تقوية السنة المعتدلين وإعادة تقييم دور المسيحيين”. طبعًا، لم ينسَ أن يذكرنا بأن هذه المرة ستكون مختلفة، وأنها ستتم “بطريقتنا الخاصة”، وهي طريقة تشبه إلى حد كبير حملة إعلانية لمنتج تجميل، مع بعض اللمسات التهديدية الخفية.

أولًا، قاموا بعرض فيلم قصير عن التطرف المسيحي، أو بالأحرى، لقطات لناشط مسيحي غاضب، تم تجميعها مع موسيقى تصويرية مخيفة وتعليق صوتي درامي. كان الهدف واضحًا: “هذا هو التطرف الذي يجب أن نتخلص منه! ألا يكفينا ما عانيناه؟” لكنهم نسوا أن يذكروا أن السنة المعتدلين لديهم أيضًا تاريخ حافل بـ”التقييمات الصعبة” وحالة “الضبط” عندما كان الوجود السوري يناسبهم. للتذكير ان اقفال الأم تي في تم على يد قاضي محسوب على الحريري!

ثم تحدثوا عن الشعر، وكيف أنهم سيجعلونه “مُعاد تقييمه”. قرروا أن ينتجوا مسابقة شعر وطنية، ولكن لجنة التحكيم ستكون من السنة المعتدلين، الذين سيقومون بتقييم الشعر وفقًا لمدى توافقه مع “رؤيتهم” للمستقبل. تخيلوا مسابقة شعر فيها لجنة تحكيم تعرف فقط الشعر الموجه، أي الذي يقول ما يريدون.

بعد ذلك، انتقلوا إلى قضية الأحزاب. بما أن الأحزاب السنية مهيكلة بالفعل (ومسلحة أيضًا، ولكنهم لم يذكروا هذه النقطة بصوت عالٍ اذ هي مسلحة بالتطرف)، فقد قرروا أن يقوموا بتدريب الأحزاب الأخرى على كيفية الهيكلة. ستكون هناك ورش عمل مكثفة ودورات تدريبية على وسائل التواصل الاجتماعي، ولكن بالطبع، ستكون هناك بعض “الشروط” للانضمام. كانت الشروط تشبه إلى حد كبير شروط العضوية في نادٍ حصري، ولكن مع الكثير من التدريب على كيفية تجميل التاريخ وتبييض الحقائق.

ولإضاعة الوقت وتشتيت الانتباه، قاموا أيضًا بالإعلان عن بطولة كرة قدم ضخمة، وبرامج ترفيهية مليئة بالنجوم، نجوم لا تعود لتركي آل الشيخ، ووعود بجوائز مالية ضخمة. كان الهدف هو جعل الجميع يضحكون ويستمتعون وينسون كل ما يؤلمهم، وينسون أنهم كانوا شركاء في القمع قبل اغتيال الحريري.

في نهاية الاجتماع، كان الجميع مرتبكين، ولكنهم أيضًا كانوا متفائلين بطريقة غريبة. كانوا يشعرون وكأنهم في حلقة من برنامج تلفزيوني، ولكنهم لم يكونوا متأكدين من الدور الذي يجب أن يلعبوه. أما الخبراء الأجانب، فقد كانوا يتهامسون فيما بينهم، وكأنهم يتحدثون عن الطقس.

وهكذا، أُعلنت بداية لبنان الجديد، لبنان الذي يحكمه الاعتدال، ويدعمه الشعر الموجه، ويشاهده الجميع وهم يلهون في المسابقات الرياضية، وتنسى كل جرائم الماضي. برعاية مفتي شيعي “علماني” أفتى بمحو الأدلة وتركيب جرائم بحق الشهود!

عن Rita Chahwan

ريتا بولس شهوان، صحافية وباحثة ساهمت في عدد من الكتب منها "الكويت وإرادة الاستقلال في الوثائق العثمانية" و "ماذا فعل مدحت باشا في الخليج"(ذات السلاسل) وعملت في عدد من الصحف والمواقع الالكترونية العربية. تلقت تدريبات دولية على الاستقصاء وتخصصت في الاستقصاء الاجتماعي – الاقتصادي كما تولي اهمية كبيرة للشأن السياسي.

شاهد أيضاً

الأخبار»: هندسة «الغيريّة» واختراق الحصون الأكاديمية

في وقتٍ يبدو فيه الانقسام اللبناني أفقياً، يأتي العدد 5891 من جريدة «الأخبار» ليعكس محاولة …