تُعَدّ الأنظمة المصرفية العالمية حجر الزاوية في استقرار الاقتصاد الدولي المرتبط بالسياسي. ومع تصاعد أنشطة الجريمة المنظمة، أصبح من الضروري أن تتبنى هذه الأنظمة استراتيجيات متقدمة في الامتثال المالي، وتطوير الفكر الأمني لمواكبة التحديات المستجدة. واليوم، يواجه لبنان وسوريا “اختبارًا” ماليًا معقدًا مع انهيار البنية الداعمة لهذه الأنشطة غير المشروعة، لا سيما مع تفكك كيان *حزب الله* في لبنان ودمار النظام السوري، مما يضع الأنظمة المصرفية أمام استحقاق هيكلي غير مسبوق.
الواقع المصرفي في لبنان وسوريا: انهيار شبكات التمويل غير المشروعة
لطالما اعتمد “حزب الله” على الدعم اللوجستي والمالي من النظام السوري في تمويل أنشطته، مستفيدًا من الشبكات المصرفية وتشابك شبكات الجريمة المظمة غير الرسمية لتمرير الأموال بعيدًا عن الرقابة. وغابت الرقابة مع تغلغل بنية الجريمة المنظمة في النظام السياسي اللبناني، فتدخل مجرمي الحرب ورؤؤس مبيضي الأموال في السياسة مؤثرين على الأنظمة السياسية محدثي النزاعات الطائفية، المحلية، وتمويل النزاعات لتبييض الأموال والصفحات في الاعلام وغيره من القطاعات مما يؤثر على رؤوس الأموال الحقيقين الذي لا يريدون الدخول والمزج بينهم وبين الجريمة المنظمة، وفق الباحث مقابلة عقل يوسف في كتابه جريمة غسل الأموال في عصر العلومة. هنا على للاعلام فرصة، فبدل الانجرار الى تركيز زعماء الجريمة المنظمة على خطابات شعبوية لحرف الانتباه عن القوانين المصرفية، بالتمسك بالثغرات التي احدثوها هم، بحمل لواء المودعين، العودة الى جذر المشكلة، تفكك النظام المصرفي بسبب ضعف المنظومة الاقتصادية مع ارتفاع اسهم زعماء الجريمة المنظمة، التي استخدم ويستخدم زعمائها شعارات “الشفافية” لتغطية نواياهم بالمال السريع.
مع انهيار النظام السوري، تراجعت قدرة هذه الشبكات على الاستمرار، مما أدى إلى تضييق الخناق على مصادر التمويل غير الشرعي، وفرض تحديات على المصارف اللبنانية التي تعاملت بشكل غير مباشر مع هذه التدفقات المالية
أما في سوريا، فقد أدى تفكك المؤسسات المالية الرسمية إلى توسع سوق النشاطات غير المشروعة، مثل تصنيع وتجارة المخدرات، مما ضاعف من مخاطر غسل الأموال. وفقًا لتقارير دولية، أصبحت سوريا خلال العقد الماضي مركزًا إقليميًا لإنتاج وتهريب الكبتاغون، حيث تُستخدم بعض القنوات المالية الرسمية وغير الرسمية في تبييض أرباح هذه التجارة المصدر: مكتب الأمم المتحدة المعني بالمخدرات والجريمة – UNODC .
تجارب عالمية مماثلة: انهيار الأنظمة الداعمة للجريمة وآثاره الاقتصادية
شهدت دول أخرى تجارب مشابهة عندما انهارت الأنظمة التي كانت توفر غطاءً لأنشطة الجريمة المنظمة. في كولومبيا خلال التسعينيات، أدى تفكك كارتلات المخدرات الكبرى إلى إعادة هيكلة النظام المصرفي وتعزيز سياسات الامتثال المالي لمنع غسل الأموال. كذلك، واجهت دول مثل ليبيريا وسيراليون تحديات مصرفية مماثلة بعد انهيار الأنظمة التي كانت تستفيد من العائدات غير المشروعة لتمويل النزاعات المسلحة المصدر: البنك الدولي – World Bank .
الاستحقاقات المصرفية المقبلة: كيف يمكن للبنان وسوريا تجاوز الأزمة؟
لمواجهة هذه التحديات وتعزيز الاستقرار المالي، تحتاج الأنظمة المصرفية في لبنان وسوريا إلى إعادة هيكلة شاملة تتضمن:
-
تعزيز أنظمة الامتثال المالي عبر تحديث التشريعات المصرفية وزيادة الرقابة على التحويلات المالية، بهدف الحد من تدفقات الأموال غير المشروعة -المصدر: مجموعة العمل المالي – FATF .
-
تطوير الفكر الأمني المالي من خلال توسيع نطاق التعاون الاستخباراتي المصرفي، ومشاركة البيانات مع المؤسسات الدولية لضبط المعاملات المريبة -المصدر: لجنة بازل للإشراف المصرفي – Basel Committee on Banking Supervision .
-
دمج التكنولوجيا في العمليات المصرفية عبر اعتماد تقنيات الذكاء الاصطناعي وتحليل البيانات الضخمة لتحديد الأنماط المشبوهة في المعاملات المصرفية وتعزيز الشفافية -المصدر: صندوق النقد الدولي – IMF .
-
تعزيز التعاون الإقليمي والدولي مع البنوك المركزية والمؤسسات المالية العالمية لضمان عدم تحول المصارف اللبنانية والسورية إلى بيئة خصبة لغسل الأموال وتمويل الإرهاب-المصدر: فاينانشال تايمز – Financial Times .