كيف تحفز الحرب البيئة الشيعية على الطموحات الفردية بالاستقلال

أدت الحرب الأخيرة في لبنان إلى تفاقم التحديات التي تواجهها بيئة الأعمال الشيعية، والتي تتارجح بين الارتباط التاريخي بحزب الله والضغوط الدولية المتصاعدة. تُظهر البيانات أن 53.8% من الناتج المحلي الإجمالي في لبنان يعتمد على التحويلات المالية للمغتربين، مما يفتح آفاقا لاقتصاد أكثر استقلالية عن النموذج المالي المغلق الذي تفرضه المؤسسات المرتبطة بالحزب. مع ذلك، لا تزال العقوبات الدولية، مثل قانون “هيفبا” (HIFPA)، تحدث شللا في شبكات التمويل التقليدية، مما يدفع نحو إعادة تشكيل جذرية للاستراتيجيات الاقتصادية. التحول من التمويل المحلي إلى الاعتماد على الشتات تعتمد البيئة الشيعية تقليديا على مؤسسات مثل “جمعية القرض الحسن” التي قدمت قروضا بقيمة 480 مليون دولار بحلول 2019. لكن العقوبات الأميركية والأوروبية قلصت فعالية هذه المؤسسات، حيث أغلقت البنوك اللبنانية 70% من الحسابات المرتبطة بالحزب منذ 2015. في المقابل، ارتفعت التحويلات عبر القنوات غير الرسمية إلى 70% من إجمالي التدفقات، مما يعكس تحولا نحو الاعتماد على الشتات. تشير تقديرات البنك المركزي إلى وصول التحويلات إلى 6.8 مليار دولار في 2024، وهو ما يعتبر مصدرا حيويا لتمويل المشاريع الصغيرة والمتوسطة في المناطق الشيعية. استثمارات الشتات كبديل استراتيجي أصبحت سندات المغتربين (Diaspora Bonds) أداة مقترحة لتحويل التحويلات من الاستهلاك إلى الاستثمار. تجارب دول مثل الهند وإسرائيل تظهر إمكانية جذب مليار دولار سنويا عبر هذه الآلية. في لبنان، يمكن توظيف هذه الأموال في مشاريع البنية التحتية المتضررة مثل إعادة بناء 22 ألف وحدة سكنية دمرت بالكامل. لكن نجاح هذا النموذج يتطلب إطارا تشريعيا يضمن الشفافية، كتطبيق “دليل الإجراءات” الذي اقترحه برنامج الأمم المتحدة الإنمائي. تبني معايير الحوكمة العالمية كشف تقرير البنك الدولي أن 75% من الشركات اللبنانية عائلية وتفتقر إلى الشفافية. في المقابل، تظهر تجربة “كود حوكمة الشركات اللبناني” إمكانية تحسين الجاذبية الاستثمارية عبر تبني مبادئ مثل حماية حقوق المساهمين والإفصاح المالي. تطبيق هذه المعايير في المناطق الشيعية قد يقلل من perceived risk المرتبط بالارتباط بحزب الله، خاصة مع تصنيف لبنان ضمن “القائمة الرمادية” لمجموعة العمل المالي (FATF) بسبب غياب آليات مكافحة غسل الأموال. نحو قطاع تكنولوجي منفصل برزت الشركات الناشئة في مجال التكنولوجيا المالية (FinTech) كقوة دافعة، حيث قدمت حلولا بديلة عن النظام المصرفي المنهار. في 2023، اجتذب قطاع الخدمات الرقمية 25% من الاستثمار الأجنبي المباشر، مع إطلاق منصات مثل “دياسبورا فور ديفلوبمنت” لربط المغتربين بالفرص الاستثمارية. هذه النماذج تعتمد على الانفتاح العالمي خلافا للاقتصاد المغلق الذي تروج له المؤسسات الحزبية. تحديات الانفصال عن النموذج الحزبي رغم المكاسب المحتملة، تواجه الجهود الرامية للانفصال عن حزب الله عوائق بنيوية. إذ يدير الحزب شبكة خدمات اجتماعية تصل إلى 1.2 مليون لبناني، بينما تقدر نسبة الفقر في المناطق الشيعية ب94% في النبطية. أي تحول اقتصادي يجب أن يصاحبه بديل لهذه الخدمات ربما عبر شراكات مع منظمات دولية مثل UNDP التي خصصت 3.5 مليار دولار لإعادة الإعمار. المخاطر الأمنية والاقتصادية استهداف إسرائيل للمنشآت الاقتصادية الشيعية، كما حدث في ضربات أكتوبر 2024 ضد فروع جمعية القرض الحسن، يخلق بيئة محفوفة بالمخاطر للمستثمرين الأجانب. بالإضافة إلى ذلك، فإن الاعتماد المفرط على الشتات يحمل مخاطر مرتبطة بتقلبات الاقتصاد العالمي، حيث أن 33% من التحويلات تأتي من دول الخليج التي تشهد انكماشا اقتصاديا. رؤية مستقبلية: نحو نموذج هجين يتطلب التكيف الناجح تبني نموذح هجين يجمع بين الخصوصية المحلية والاندماج العالمي. يمكن تحقيق ذلك عبر إنشاء مناطق اقتصادية خاصة مثل منطقة بيروت الحرة مع إعفاءات ضريبية للشركات التي تتبنى معايير الحوكمة، وتعزيز الصناعات التصديرية حيث تشكل المنتجات الزراعية 12.6% من الصادرات ويمكن رفع هذه النسبة عبر تحالفات مع دول مثل الإمارات التي تستقبل 19.7% من الصادرات اللبنانية، والاستفادة من الاتفاقيات الدولية كاتفاقية التجارة الحرة مع الاتحاد الأوروبي التي تسمح بإدخال 80% من المنتجات اللبنانية دون رسوم. دور الإصلاح التشريعي أصبحت الحاجة ملحة لتعديل القوانين التي تعيق الانفتاح، مثل قانون الخصوصية المصرفية الذي يعيق تدفق الاستثمارات. تقترح منظمة الشفافية الدولية إدخال تعديلات على قانون الشركات لجعل الإفصاح المالي إلزاميا للشركات التي تتجاوز عائداتها مليون دولار. الخلاصة: التوازن بين الهوية والانفتاح التحول نحو الاقتصاد العالمي لا يعني القطيعة الكاملة مع الهوية الشيعية بل إعادة تعريفها في إطار تنموي مستدام. النجاح يتطلب بناء تحالفات بين القطاع الخاص والمغتربين والمجتمع الدولي مع ضمان ألا يستخدم الانفتاح كأداة لتفكيك النسيج الاجتماعي. التجربة اللبنانية رغم تعقيداتها قد تقدم نموذجا لكيفية تحويل الأزمات إلى فرص لإعادة التشكيل الاقتصادي الذكي.

عن Rita Chahwan

ريتا بولس شهوان، صحافية وباحثة ساهمت في عدد من الكتب منها "الكويت وإرادة الاستقلال في الوثائق العثمانية" و "ماذا فعل مدحت باشا في الخليج"(ذات السلاسل) وعملت في عدد من الصحف والمواقع الالكترونية العربية. تلقت تدريبات دولية على الاستقصاء وتخصصت في الاستقصاء الاجتماعي – الاقتصادي كما تولي اهمية كبيرة للشأن السياسي.

شاهد أيضاً

من المخدرات إلى الأصول الرقمية: النيابة العامة التمييزية تعيد هندسة الأمن المالي اللبناني

لم تعد معركة مكافحة تبييض الأموال في لبنان مجرد ملاحقات قضائية تقليدية، بل تحولت إلى …