CREATOR: gd-jpeg v1.0 (using IJG JPEG v62), quality = 100

 وليد عبود عد بالزمن: ثغرة الضمير: كيف حوّل موقف قاضٍ هزيمةً إلى استراتيجية بقاء

تُعتبر السنوات بين عامي 2002 و2003 فترة محورية في التاريخ السياسي اللبناني، حيث شهدت أحداثاً مترابطة تعكس طبيعة الضغوط الأمنية والسياسية التي مارسها النظام السوري على النخب اللبنانية المعارضة. تمتد هذه الفترة من اغتيال المهندس رمزي عيراني في 7 أيار 2002 وصولاً إلى إقفال قناة MTV في أيلول من العام نفسه، وما تبع ذلك من قرار قضائي أصدرته محكمة التمييز برئاسة القاضي عفيف شمس الدين، وهو قرار لم يغلق فصلاً، بل فتح ثغرة غيّرت قواعد المواجهة.

اغتيال رمزي عيراني: رسالة الرعب

كان رمزي عيراني، المهندس المدني ومسؤول الطلاب في حزب القوات اللبنانية، رمزاً للجيل الشاب المعارض للهيمنة السورية. نجاحه في انتخابات نقابة المهندسين عام 2000 كان تحدياً مباشراً للمنظومة الحاكمة. في 7 أيار 2002، اختُطف في وضح النهار من شارع الحمراء، ليُعثر على جثته بعد أسبوعين. لم تكن الجريمة مجرد تصفية، بل كانت رسالة رعب دموية لكل من يجرؤ على معارضة النظام السوري، تهدف إلى بث الخوف وشل أي حراك سيادي ناشئ. لقد كانت استعراضاً للقوة الغاشمة في وجه النشاط السياسي.

إقفال MTV: إسكات الصوت الحر

بعد أشهر قليلة، انتقلت استراتيجية القمع من العنف الجسدي إلى العنف المؤسسي. في 4 أيلول 2002، تم إقفال قناة MTV بقرار من محكمة المطبوعات بتهمة مخالفة قانون الانتخابات. لكن الدوافع الحقيقية كانت أعمق بكثير؛ فالقناة، باستضافتها للعماد ميشال عون من منفاه وانتقادها المباشر للوصاية السورية، كانت تمثل صوتاً حراً يكسر جدار الصمت. إن الطريقة الأمنية التي نُفّذ بها القرار، عبر محاصرة مباني القناة بمئات العناصر، كشفت أن الأمر لم يكن مجرد تطبيق للقانون، بل “تصفية حسابات سياسية” بأدوات قضائية، أو كما قال وزير الإعلام آنذاك غازي العريضي: “بشار الأسد أقفل MTV بأيادٍ لبنانية”. لكن ما لا ينسى من كل هذا، ان سمير قصير، كان حاضراً في هذه الاجواء وحضر المحاكمة بصفة شاهد، برفقة: …… ضيف اخر: 

المشكوك بامره دائما، شارل ايوب (!) ضمن برنامج زياد نجيم (الصديق)

موقف عفيف شمس الدين: الضمير الذي فتح ثغرة

في قلب هذا المشهد القاتم، برز موقف استثنائي سيغير مسار الأحداث. القاضي عفيف شمس الدين، رئيس محكمة التمييز، المنتمي إلى عائلة لها إرث طويل في العلم ومقاومة الظلم، خالف قرار الأكثرية بإقفال القناة. لم تكن مخالفته دفاعاً عن خط MTV السياسي، بل دفاعاً عن قدسية القانون. طالب بإحالة القضية إلى الهيئة العامة للبحث في أصول التبليغ وسد الثغرة في تفسير عبارة “الإقفال التام”، معتبراً أن القرار يفتقر للأسس السليمة.

كان موقفه هذا تجسيداً لإرث عائلته الفكري الرافض لاستخدام “السلاح السياسي” والعنف لحل النزاعات، وترجمةً لمبدأ الإمام محمد مهدي شمس الدين في “ولاية الأمة على نفسها”. لقد رأى في قرار الإقفال الأمني عنفاً مقونناً، فكانت مخالفته فعلاً حتمياً لضمير قضائي يرفض تحويل العدالة إلى أداة قمع.

من المبدأ إلى الاستراتيجية: استغلال “ثغرة الضمير”

لكن هذه المخالفة، التي بدت في حينها مجرد شهادة للتاريخ، تحولت إلى أصل استراتيجي. أدرك ميشال المر مالك القناة، أن موقف القاضي شمس الدين ليس مجرد رأي، بل “ثغرة مبدأ” يمكن البناء عليها. فبدلاً من الاستسلام، استغل هذه الثغرة كنقطة انطلاق لإعادة بناء مشروعه على أسس أكثر صلابة، وانتقل من موقع الضحية إلى موقع اللاعب الفاعل.

لم تكن العودة مجرد مسألة تقنية، بل عملية بناء منظومة قانونية-سياسية متكاملة. أقام المر تحالفات استراتيجية مع مكاتب محاماة بارزة، وعيّن شخصيات تتفرع منها في مواقع مؤثرة بهدف السيطرة على “الواقع القانوني” المحيط بمشروعه، وتحويل القوانين من قيود تُكبّله إلى دروع تحميه.

تجلت عبقرية هذه الاستراتيجية في الحالة المحددة للإعلامي وليد عبود. فالمنظومة التي بناها المر وفرت له غطاءً قانونياً، لكن الحماية لم تتوقف عند هذا الحد. من رحم “ثغرة المبدأ” نفسها، تم خلق عوامل ردع مضادة فريدة من نوعها، مصدرها بيئة وليد عبود المصغّرة جداً وفكر مارون عبود وحبه للتنوع (وليد، السند، كما اقول لك دائما في مجموعة اعلاميون من اجل حرية التعبير: طالما وليد موجود وفادي شهوان، انا باقية، انتبه). كانت الاستراتيجية تقضي بتحييد الضغوط الداخلية التي قد تُمارس عليه عبر تفعيل شخصيات وازنة وخلق توازنات تجعل استهدافه مكلفاً لمن يفكر بذلك، مما منحه حصانة داخلية سمحت له بالاستمرار في دوره الإعلامي بجرأة أكبر.

  حين تصبح الاستقامة استراتيجية

إن دراسة الفترة بين اغتيال عيراني وإقفال MTV تكشف عن تكامل استراتيجية القمع السورية، التي استخدمت العنف المباشر مرة، والعنف المؤسسي مرة أخرى. لكنها تكشف أيضاً عن تطور استراتيجية المواجهة. فإذا كان اغتيال عيراني قد فجّر الغضب الشعبي، فإن إقفال MTV، بفضل “ثغرة الضمير” التي فتحها القاضي شمس الدين، أنتج استراتيجية مضادة منظمة، تعتمد على القوة الناعمة للقانون والإعلام.

وهكذا، لم يكن موقف القاضي عفيف شمس الدين نهاية القصة، بل بداية فصل جديد. لقد أثبت أن استقامة فرد واحد قد لا تمنع الظلم في لحظته، لكنها قادرة على فتح ثغرة في جدار الاستبداد، يتسلل منها الفاعلون لتحويل الهزيمة إلى فرصة، والمبدأ إلى سلاح، وتغيير قواعد اللعبة في فصول الصراع القادمة على هوية لبنان وحريته.

عن Rita Chahwan

ريتا بولس شهوان، صحافية وباحثة ساهمت في عدد من الكتب منها "الكويت وإرادة الاستقلال في الوثائق العثمانية" و "ماذا فعل مدحت باشا في الخليج"(ذات السلاسل) وعملت في عدد من الصحف والمواقع الالكترونية العربية. تلقت تدريبات دولية على الاستقصاء وتخصصت في الاستقصاء الاجتماعي – الاقتصادي كما تولي اهمية كبيرة للشأن السياسي.

شاهد أيضاً

الأخبار»: هندسة «الغيريّة» واختراق الحصون الأكاديمية

في وقتٍ يبدو فيه الانقسام اللبناني أفقياً، يأتي العدد 5891 من جريدة «الأخبار» ليعكس محاولة …