الشركات الإعلامية العملاقة كـ “جمعيات أشرار”: بنى الاحتكار والسيطرة الأسرية (أنكم جمعية اشرار)

ماي، كوكي، انتصرنا! الباقي تفاصيل ! خيوط افخاخ الحياة أعظم من الفكر المخابراتي!

ما حدث بين ترامب و BBC ليس حادثة معزولة، بل جزء من نظام منظم وممنهج حيث تستخدم تكتلات إعلامية عملاقة سيطرتها على وسائل الإعلام لتشكيل الحقيقة والسياسة والرأي العام. الفرق الوحيد بين هذه العملية والجرائم المنظمة التقليدية هو أن الأولى تتم بشكل قانوني داخل إطار سلطة قانونية مسيسة.

البنى التنظيمية: التشابهات المُريبة بين العائلات الإجرامية والإمبراطوريات الإعلامية

1. الهيكل الهرمي العائلي

في الجرائم المنظمة التقليدية: تتمركز السلطة في “الزعيم” (الـ Boss)، يُساعده “نائب الزعيم”، ثم طبقات من الأفراد بمسؤوليات متدرجة. كل شخص مسؤول عن عدد من العمليات المحددة، وتُقرّ القرارات السياسية من الأعلى.

في الإمبراطورية الإعلامية للموردوخ: يقف روبير موردوخ (94 سنة) في القمة، وهو الذي يتخذ القرارات الأيديولوجية الحاسمة حول توجه فوكس نيوز والجدول السياسي الذي يخدمه. تحته ابنه لاكلان (54 سنة)، الذي يختلف إيديولوجياً أقل من والده ويعتبر “الوريث المحافظ الصحيح” بحسب تقييم الأب. وسُحب الأشقاء الآخرون من السلطة لأنهم لا يشاركون نفس الرؤية الأيديولوجية.

الآلية مطابقة: من يختلف مع الرئيس يُستبعد؛ من يوافق يبقى ويرتقي.

2. التتويج الصريح للأيديولوجية على القانون والأخلاق

في المنظمات الإجرامية: يتم اختيار الأعضاء بناءً على الولاء الشخصي والعائلي والقبلي، لا على الكفاءة أو المبادئ. يُعرّف هؤلاء كـ “رجال مصنوعون” (Made Men)، لهم قيمة لأنهم من “دخل العائلة” أو لديهم ولاء مثبت، أو لأنهم يشاركون الإيديولوجية والمصالح.

في موردوخ: كان اختيار لاكلان على إخوانه حصراً لأنه “الأكثر محافظة” و “الأكثر توافقاً مع رؤية والده الأيديولوجية”. في حين رفض روبير اختيار جيمس موردوخ (الابن الثاني) لأنه يدعم القضايا البيئية، وتبرع مليون دولار لرابطة مناهضة للتمييز اليهودي (ADL)، وانتقد تغطية فوكس الموالية لترامب والاحتجاجات الفاشية في شارلوتسفيل. قال جيمس أن فوكس نيوز هو “سم” (poison). فكان الحكم: من لا يشاركنا الأيديولوجية يُستبعد من الإرث والسلطة.

​

3. التعاقد على “الصمت” والولاء المطلق

في المنظمات الإجرامية: يُطلب من الأعضاء “الصمت” (Omertà)، وكسر هذا الصمت يعني الموت. يُخفي الأعضاء عمليات المنظمة حتى لو كانت غير قانونية.

في موردوخ: كانت الاتفاقية الأخيرة التي أُعلنت في سبتمبر 2025 ترتيب “صمت” مالي. دفع لاكلان لإخوانه 1.1 مليار دولار للرجل (إجمالي 3.3 مليار) بشرط أن يستسلموا بصمت وينسحبوا من مجلس الإدارة ويفقدوا أي صوت في توجه الشركات. حتى تلك اللحظة، كان جيمس يعترض، لكن المال كان أقوى من الأيديولوجية.

النتيجة: لا أحد سيتحدث عن الخلافات. سيكون هناك صمت أحمر عن كيفية أن موردوخ استخدم الإرث العائلي لـ “شراء” الصمت والموافقة.

​

4. المصالح المشتركة كـ “عقد اجتماعي”

في المنظمات الإجرامية: جميع الأعضاء لديهم “حصة” من الأرباح الغير قانونية. هذا ينشئ مصلحة مشتركة في الحفاظ على النشاط الإجرامي لأن جميع أفراد الأسرة يستفيدون.

في موردوخ: لكل فرد من أفراد الأسرة الموردوخ حصة مالية ضخمة. التنويع الأخير في سبتمبر 2025 ضمن استقرار الاستثمارات المالية الضخمة لأن الجميع يعلمون أن حفظ “الخط المحافظ” لفوكس نيوز يعني الحفاظ على قيمة الأسهم والأرباح. بدون هذا الخط الأيديولوجي، قد تنخفض القيمة (كما حذّر المحللون).

​

كيف تتحول المصالح إلى “جمعية أشرار”: الآلية المسيطرة

أولاً: تركيز الملكية وسوء استخدام السلطة

في الولايات المتحدة وحدها، ستة شركات فقط تتحكم بـ 90% من وسائل الإعلام (كومكاست، ديزني، نيوز كوربوريشن، فياكوم سي بي إس، AT&T، سوني). في المملكة المتحدة، ثلاث شركات فقط (DMG Media، News UK، و Reach) تتحكم بـ 90% من الصحف الوطنية.

هذا التركيز يُنشئ قوة احتكارية لا تُقابلها قوة معاكسة أو مراقبة حقيقية. عندما تملك عائلة واحدة (الموردوخ) فوكس نيوز والجدول العالمي، والتايمز اللندنية، والجدول الأسترالي، فإنها تملك فعلياً السيطرة على ما يفكر به ملايين الناس في ثلاث دول ديمقراطية.

ثانياً: الحصول على “المصلحة” من السياسيين والمنظمين

في المنظمات الإجرامية: يشترون الحماية من السياسيين والشرطة من خلال الرشاوى والتهديدات.

في موردوخ: يفعلون الشيء ذاته قانونياً. عندما تهدّد موردوخ بـ “فقدان الثقة” بـ BBC والمؤسسات البريطانية، تُذعن الحكومات والمنظمون. في أستراليا، تمّ تمرير تشريعات إعلامية صُممت خصيصاً لحماية فوكس أستراليا.

في الولايات المتحدة، كان لموردوخ “عشاقه” في إدارة ترامب، وحصل على رعاية تنظيمية وإعفاءات ضريبية نتيجة لتغطية فوكس الموالية لترامب.

​

ثالثاً: استخدام السلطة الإعلامية لتشكيل الواقع السياسي

في المنظمات الإجرامية: يستخدمون العنف والترهيب لـ “دفع” الناس نحو السلوك الذي يريدونه.

في موردوخ: يستخدمون السيطرة الإعلامية. على سبيل المثال:

  • صحيفة The Sun (مملوكة لموردوخ) كانت “محرك رئيسي” لـ Brexit في المملكة المتحدة. موردوخ استخدم ملكيته لـ “دفع” بريطانيا نحو قرار سياسي ضخم قال إنه سيعطيه مزيد السلطة (“عندما أذهب إلى داوننج ستريت، يفعلون ما أقول؛ عندما أذهب إلى بروكسل، لا أحد يسمعني”).

  • ​

  • في أستراليا، تغطية Sky News Australia المناهضة للمسلمين (بملكية موردوخ) ربما كانت عاملاً في مجزرة كرايتشتشرتش بـ 50 مصلياً. كان الهجوم مسبوقاً بحملة إعلامية منسقة تصور المسلمين كـ “تهديد”.

  • ​

  • فوكس نيوز، تحت قيادة لاكلان وموردوخ، حوّل نفسه تدريجياً من “شبكة محافظة معارضة” إلى “ذراع دعاية صريحة لترامب”. عندما يريد موردوخ سياسياً ما، يُوكّل فوكس بمهمة إعادة تشكيل السرد.

  • ​

رابعاً: “الاستحواذ التنظيمي” (Regulatory Capture)

عندما تملك عائلة واحدة سيطرة معظم وسائل الإعلام، يمكنها أن تحاصر المنظمين والسياسيين. كيف؟

  • إذا حاول منظم ما “لا” لموردوخ على اندماج أو ترخيص، ستهاجمه فوكس نيوز والجدول الأسترالي والتايمز اللندنية وتصوّره كـ “فاسد” أو “متحيز”. ستُشنّ حملة إعلامية ضده.

  • ​

  • وجد باحثون أن صحف موردوخ في المملكة المتحدة غطّت BBC و Ofcom (الجهة المنظمة البريطانية) بانحياز منهجي واضح، بهدف تضعيف سلطتهما المنظمة. هذا ليس صحافة؛ هذا هو استخدام احتكار إعلامي لـ “تصفية” الخصم.

  • ​

  • في الولايات المتحدة، اللوائح الفيدرالية التي كانت ستحد من ملكية الإعلام لم تُمرّر أبداً لأن شركات موردوخ الإعلامية ضغطت ضدها وأطلقت حملات “جمهورية رأي” ضد التنظيم.

  • ​

نماذج تاريخية: كيف تعمل “جمعيات الأشرار” الإعلامية

النموذج الأول: موردوخ وفوكس (الهياكل الثابتة)

البنية: عائلة واحدة، ملكية مركزة، سيطرة أيديولوجية صارمة.

الآلية:

  1. يتحكم الرأس (روبير، الآن لاكلان) بـ اختيار من سيكون في السلطة بناءً على الولاء الأيديولوجي وليس الكفاءة.

  • ​

  • جميع المحررين والمذيعين والصحفيين يُعرفون أن “الخط” الأيديولوجي غير قابل للتفاوض.

  • ​

  • من يخرج عن “الخط” يُستبعد أو يُرغم على الاستقالة. على سبيل المثال، استقال محررو الأخبار عندما اكتشفوا أن الإدارة تريد حملة كاملة معادية للمسلمين.

  • ​

  • النتيجة: تصبح فوكس نيوز ليست وسيلة إعلام بل أداة دعاية منظمة لخدمة المصالح الأيديولوجية للموردوخ والساسة الحليفين.

  1. ​

النموذج الثاني: بيزوس والواشنطن بوست (التحكم المباشر بالمحرر)

البنية: ملكية فردية من قبل رجل أعمال تكنولوجي، لا يوجد هياكل عائلية.

الآلية:

  1. في فبراير 2025، أصدر جيف بيزوس أوامر مباشرة إلى فريق الرأي في الواشنطن بوست.

  • ​

  • قال: “الآن ستركّزون على دعم الحريات الشخصية والأسواق الحرة، والمقالات المعاكسة لن تُنشر”.

  • ​

  • عندما رفض فريق التحرير، استقالوا.

  • ​

  • عندما نشر المحررون مسودة تأييد كامالا هاريس قبل الانتخابات، تدخل بيزوس مباشرة وأوقفها.

  1. ​

ملاحظة: بيزوس كان يقف بجانب ترامب في حفل التتويج الأخير، مما يشير إلى علاقة سياسية مباشرة. استخدم سيطرته على الواشنطن بوست لـ دعم أجندة ترامب.

هذا ليس إعلاماً مستقلاً؛ هذا هو استخدام ملكية رأس مال لتشكيل الرأي العام.

النموذج الثالث: التكتلات الإعلامية والنظام المنسّق

في دول مثل تركيا وروسيا والهند والمجر، ليست هناك عائلة واحدة بل تكتل من رجال الأعمال القريبين من السلطة.

​

الآلية:

  1. حكومات استبدادية أو شبه استبدادية توزع الملكية الإعلامية على “رجالها الموثوقين”.

  • ​

  • كل مالك يعرف أن “الخط” يُملى عليه من الحكومة.

  • ​

  • إذا خرج واحد عن الخط، تُسحب منه الترخيص أو يُهاجم من قبل الآخرين في التكتل.

  • ​

  • النتيجة: ليس هناك اختلافات حقيقية بين المحطات؛ جميعها تحكي نفس السردية.

  1. ​

كيف يتحول هذا النظام إلى “جمعية أشرار”: الخطوة النهائية

عندما توافرت الشروط التالية:

  1. تركيز الملكية: عائلة أو مجموعة صغيرة تسيطر على معظم وسائل الإعلام.

  • ​

  • السيطرة الأيديولوجية: يتم اختيار من يدير المحطات بناءً على الولاء الأيديولوجي وليس الكفاءة الصحفية.

  • ​

  • المصالح المشتركة: تسعى العائلة/المجموعة إلى مكاسب سياسية واقتصادية مشتركة.

  • ​

  • عدم الرقابة: الحكومات والمنظمون مأسورون أو مخطوفون سياسياً من قبل نفس وسائل الإعلام.

  • ​

  • التنسيق: يتم نسج قصص موحدة وحملات إعلامية منسقة عبر جميع المحطات والصحف والمنصات.

  1. ​

عندها يصبح النظام “جمعية أشرار إعلامية” لأنه:

  • يعمل بسرية نسبية (الأوامر الأيديولوجية “لا تُعلّق في الهواء”؛ يُفهمها الجميع).

  • ​

  • يستخدم السلطة بطرق تنتهك الصالح العام (يحرّف الحقائق، يسقط الخصوم، يشكل السياسة لصالحه).

  • ​

  • له بنية عائلية/قبلية مع ولاء مطلق وتوريث السلطة.

  • ​

  • يستخدم التهديدات والضغط (ليس بالعنف الجسدي بل بـ “العنف الإعلامي”): تهديد بتغطية سلبية، بحملات انتقادية، بفقدان الإعلانات.

  • ​

قضية BBC وترامب كمثال على النظام المنسّق

الآن نستطيع فهم ما حدث مع BBC:

  1. مايكل بريسكوت (المستشار السابق لمعايير BBC) يعمل مع شركات تقبض رسوم من شركات تكنولوجيا موالية لترامب.

  • ​

  • بريسكوت صديق لـ Robbie Gibb، المحافظ السياسي الذي على مجلس إدارة BBC وساعد في تأسيس GB News، وهي محطة موالية لترامب.

  • ​

  • كل هذه الخيوط تتشابك: شركات تكنولوجيا موالية لترامب ← معاهد بحث ← استشاريون سياسيون ← شركات إعلام ← BBC.

  • ​

  • النتيجة: عندما نشرت BBC فيلماً حقيقياً يُظهر حقائق حول ترامب (على الرغم من الخطأ التحريري)، تم تفعيل النظام المنسّق:

    • بريسكوت أطلق “قنبلة” المذكرة الداخلية.

  • ​

  • استشاريون سياسيون بدأوا حملات إعلامية.

  • ​

  • وسائل إعلام موالية لترامب التقطت الخبر وضخّمته.

  • ​

  • ترامب نفسه بدأ يهدّد بالمقاضاة.

    • ​

في النهاية، BBC اضطرت للاعتذار والدفع (أو الرفض المبدئي الذي سيُلحق بها ضرراً إعلامياً).

​

الخلاصة: نظام منظم لكن قانوني

الفرق بين جمعيات الأشرار التقليدية و”جمعيات الأشرار الإعلامية” هو:

جمعيات أشرار تقليدية جمعيات أشرار إعلامية
تستخدم العنف الجسدي تستخدم “العنف الإعلامي” (تشويه السمعة، الحملات المنسقة)
تعمل خارج القانون تعمل داخل القانون (لا توجد قوانين تُعاقب على هذا)
ملكيتها غير معروفة (سرية) ملكيتها معروفة لكن السيطرة الأيديولوجية خفية
تقسّم السلطة عائلياً تقسّم السلطة عائلياً أيضاً
تضغط على السياسيين برشاوى تضغط على السياسيين بـ “السلاح الإعلامي”
تخترق الحكومة تخترق الحكومة وتشكّل السياسة

النتيجة النهائية: نحن نعيش في عالم حيث قوة الإعلام الاحتكارية أصبحت أشد خطورة من القوة المالية أو العسكرية، لأنها تملك السيطرة على ما يعتقده الناس هو صحيح. وطالما لا توجد قوانين تنظم هذا، ستبقى هذه “الجمعيات الأشرار الإعلامية” تعمل بحرية كاملة.

​

عن Rita Chahwan

ريتا بولس شهوان، صحافية وباحثة ساهمت في عدد من الكتب منها "الكويت وإرادة الاستقلال في الوثائق العثمانية" و "ماذا فعل مدحت باشا في الخليج"(ذات السلاسل) وعملت في عدد من الصحف والمواقع الالكترونية العربية. تلقت تدريبات دولية على الاستقصاء وتخصصت في الاستقصاء الاجتماعي – الاقتصادي كما تولي اهمية كبيرة للشأن السياسي.

شاهد أيضاً

الأخبار»: هندسة «الغيريّة» واختراق الحصون الأكاديمية

في وقتٍ يبدو فيه الانقسام اللبناني أفقياً، يأتي العدد 5891 من جريدة «الأخبار» ليعكس محاولة …