ملاحظة: الشتائم لا تنفع معي ! لكل انسان رزقه . بكفاءته .
في حفل إطلاق كتاب “اللاهوت السينودسي الأفريقي” في كلية جامعة “هيكيما” بنيروبي، برز مثلٌ أفريقي يلخص جوهر الصراع والحل في منطقتنا: “الشجرة الشاهقة قوية بقدر قوة جذورها”. هذا المفهوم ليس مجرد تأمل لاهوتي، بل هو “مانيفستو” سياسي واجتماعي لسوريا الجديدة، التي تخوض اليوم غمار “انتقال مدني” يهدف لبناء دولة مركزية قوية تعددية، تحارب التبعية للخارج بالاعتماد على “أصالة الداخل”.
أولاً: الجذور الثقافية
إن تجربة الشعب الأمازيغي في شمال أفريقيا تقدم لنا درساً بليغاً في “الانتقال المدني”. فقد حافظ الأمازيغ على هويتهم ولغتهم وجذورهم العميقة عبر العصور، معتبرين أن التمسك بالجذور ليس انكفاءً، بل هو المنطلق نحو الانفتاح. هذه “الأصالة” هي ذاتها التي نجدها في النسيج السوري، وتحديداً في العلاقة التاريخية بين العلويين والمكونات المشرقية الأخرى.
إن احتفال العلويين بـ “عيد الصليب”، ومشاركتهم في الرموز الروحية المسيحية، ليست مجرد طقوس اجتماعية، بل هي “باطنية مشرقية” عميقة ترفض منطق “الغيتوهات” والأحياء المغلقة. هذه الجذور المشتركة تجعل من العلويين والمسيحيين والدروز والسنة والأكراد أغصاناً في شجرة واحدة. أي قرار إداري يحاول عزل هذه المكونات أو فرزها ديموغرافياً تحت شعارات حماية الأغلبية أو عزل الأقليات، هو في الحقيقة معول يهدم “أصالة الداخل” لصالح أيديولوجيات مستوردة لا تشبه تربة دمشق أو حمص أو الساحل.
ثانياً: الانتقال المدني والانفتاح
إن “الانتقال المدني” الذي ننشده ليس مجرد شعار سياسي، بل هو تحول بنيوي يجعل من المكونات السورية جسوراً للانفتاح على العالم لا جزراً معزولة. إن هذه المكونات بثقافتها المتعددة تمتلك “رأسمالاً رمزياً” يربط دمشق بأوروبا، وبالقارة الأفريقية، وبالمحيط العربي.
هذا الانفتاح لا يقتصر على الثقافة، بل يمتد إلى مؤسسات المجتمع المدني العابرة للحدود. فعلى سبيل المثال، أندية “الليونز” في سوريا التي نشطت في مراحل سابقة بقيادة شخصيات مثل حيدرة سليمان، تمثل بنية شبكية حيوية يجب إعادة توظيفها. يمكن استثمار هذه الأندية لنقل وتفعيل “أدوات العولمة” وإطلاق “مشاريع مثاقفة” (Acculturation) واسعة النطاق. بدلاً من بقائها واجهات نخبوية، يمكن تحويلها إلى محركات فعلية للدبلوماسية الشعبية، قادرة على بناء شراكات مع منظمات عالمية تدعم استقلالية القرار السوري وتعزز من قوة “أصالة الداخل” عبر أطر مؤسساتية حديثة.
هذا التوظيف الذكي هو الرد العملي على مشاريع “الفيدرالية المفخخة” التي تهدف لتقسيم سوريا إلى كانتونات هزيلة. “الانتقال المدني” يعني دولة تحترم خصوصية الجذور، لكنها تمنح الجميع حق المواطنة في فضاء عام مشترك لا يُفرز فيه الناس بحسب ما يشربون أو كيف يصلون.
ثالثاً: فلسفة أوبونتو والعمق الأفريقي
هنا تلتقي سوريا مع أفريقيا، ففلسفة “أوبونتو” التي تعني “أنا موجود لأننا موجودون”، هي الترجمة الأفريقية لروح التعايش السوري. إن بناء دولة “أصالة الداخل” يفتح آفاقاً اقتصادية غير تقليدية عبر بوابة “الانتقال المدني”، وذلك من خلال:
-
الانفتاح على السوق الأمازيغية بغطاء كنسي: يمكن توظيف شبكات “الليونز” ومشاريعها الانفتاحية لاختراق الأسواق الأمازيغية الواسعة في شمال أفريقيا والامتداد نحو العمق الأفريقي. ولضمان نجاح هذا الاختراق، يمكن الاستناد إلى “الغطاء الكنسي” السوري-الأفريقي المشترك؛ فالكنيسة تمتلك نفوذاً روحياً ومؤسساتياً واجتماعياً هائلاً في القارة السمراء. هذا التزاوج بين أدوات العولمة المدنية (الليونز) والمظلة الروحية-الاجتماعية (الكنيسة) سيسهل تسويق النموذج السوري ويفتح أبواباً لاستثمارات ضخمة.
-
الشراكة القيمية: بناء علاقات مع دول صاعدة تشاركنا الرغبة في التحرر من التبعية الاستعمارية وتأسيس اقتصادات وطنية.
-
تصدير النموذج السوري: تقديم الخبرة السورية في إدارة التنوع الثقافي والديني كنموذج رائد، مما يعزز الاستثمارات السورية في مجالات الإعمار، التكنولوجيا، والتعليم.
رابعاً: الخطة مقابل التبعية
إن قوة سوريا المستقبلية تكمن في قدرة إدارتها الجديدة على استيعاب الدروس، فـ “الانتقال المدني” يتطلب تطبيق عدة خطوات حاسمة:
-
رفض العزل وإلغاء أي سياسات تهدف لفرز الأحياء أو المكونات بشكل ناعم أو خشن.
-
تعزيز المواطنة عبر بناء دولة مركزية قوية تحمي التنوع وتعتبره ثروة وطنية لا مشكلة أمنية.
-
السيادة بالأصالة ومحاربة التبعية عبر تقوية الجذور المحلية، تماماً كما تفخر الشجرة الأفريقية بجذورها التي تمنحها الطول والشموخ.