ماذا عن تحديث عقيدة الجيش اللبناني؟

يُعد تحديث العقيدة العسكرية للجيش اللبناني باتجاه تطبيع العلاقات أو السلام مع إسرائيل قضية شائكة تتداخل فيها الأبعاد السياسية والقانونية والأمنية. دونه عقبات هيكلية كبرى، ويتطلب توافقاً وطنياً شاملاً وتعديلات تشريعية جذرية للتعامل مع التحديات التي تتراوح بين الاختراقات الاستخباراتية وانقسام الآراء الداخلية.

ثوابت العقيدة والقرار الوطني

لا يمكن تغيير عقيدة الجيش اللبناني بقرار أحادي من المؤسسة العسكرية، بل هي انعكاس لسياسة الدولة وتوافق وطني شامل. ففي ظل استمرار الاعتداءات والاختراقات الأمنية، ترى قيادة الجيش أن إسرائيل لا تزال تمثل التهديد الأول، وتؤكد أن العقيدة الوطنية ليست حبراً على ورق بل هي أساس لحماية لبنان وتماسكه. التوجه نحو تغيير هذه العقيدة، كما تطالب بعض القوى الخارجية والمحلية، يصطدم برفض من يعتبر أن أي تعديل سيُسقط مبرر الدفاع الاستراتيجي ويُضعف شرعية الجيش.

وقد تجلى هذا الموقف بوضوح في تصريحات المسؤولين اللبنانيين عبر السنوات؛ إذ أكد إلياس بو صعب خلال فترة توليه وزارة الدفاع عام 2019 التزام المؤسسة العسكرية بهذه العقيدة، مصرحاً بأن “الجيش اللبناني سيبادر إلى التصدي وإطلاق النار على أي اعتداء إسرائيلي مكشوف وواضح”. كما شدد حينها على أنه “لا ضمانة لنا ولوجودنا ومستقبل أولادنا إلا في ظل جيش قوي”، محذراً من المساس بدوره الاستراتيجي. وفي الوقت ذاته، يخضع لبنان لضغوط هائلة مرتبطة بخطط حصر السلاح بيد الدولة بحسب قرارات الحكومة في آب 2025 والاتفاقيات الدولية. هذا الواقع يفرض على الجيش تطوير مهامه دون التخلي عن مبادئه السيادية، وهو ما أكده بو صعب لاحقاً بوصفه نائباً لرئيس مجلس النواب، معتبراً أن الوقوف خلف الجيش هو “المخرج” الوحيد لحماية الوحدة الوطنية ومنع إعادة التسليح خارج إطار الدولة.

العوائق القانونية أمام السلام

يصطدم أي توجه لتغيير العقيدة نحو السلام بترسانة من القوانين اللبنانية الصارمة التي تجرم التطبيع. يجرّم قانون العقوبات اللبناني، وتحديداً المادتين 278 و285، أي اتصال أو تعامل مع إسرائيل بوصفها دولة عدوة. كما يحظر قانون مقاطعة إسرائيل الصادر عام 1955 على الأشخاص والمؤسسات إجراء أي عمليات مالية أو تجارية أو سياسية مع جهات إسرائيلية. وبالتالي، فإن أي توجه للمفاوضة المباشرة للسلام يعتبر مخالفة صريحة لمبدأ المشروعية وتجاوزاً للصلاحيات الدستورية، ما لم يتم إقرار تعديلات تشريعية جذرية عبر البرلمان.

خطر التجنيد والاختراقات الأمنية

تشكل جهود التجنيد الإسرائيلية تحدياً أمنياً خطيراً يستهدف استقرار المؤسسة العسكرية والنسيج اللبناني، حيث يستغل جهاز الموساد نقاط الضعف المجتمعية لتجنيد عملاء بأساليب متجددة. وقد بلغت هذه الأساليب ذروتها في عام 2026 لتشمل إلقاء طائرات إسرائيلية منشورات ورقية فوق بيروت تحتوي على رموز استجابة سريعة (QR Code) مرتبطة بتطبيقات التواصل لتجنيد العملاء مباشرة. تفرض هذه الاختراقات، التي طالت في الماضي بعض الأفراد، ضغوطاً هائلة على مخابرات الجيش للحفاظ على التماسك الداخلي ومكافحة شبكات التجسس المدربة.

المتقاعدون العسكريون وتباين الآراء

يبرز دور الضباط والعسكريين المتقاعدين بشكل مكثف في النقاشات العامة، حيث تتنوع مواقفهم إزاء مسألة التفاوض والسلام بناءً على خلفياتهم وتقييمهم لموازين القوى. فبينما يرى البعض ضرورة التفاوض من موقع قوة وإرساء ترتيبات أمنية واضحة لضمان السيادة وتطبيق القرارات الدولية ، يتعرض آخرون لانتقادات حادة بسبب تبنيهم طروحات إعلامية توصف بأنها تتجاهل ثوابت الأمن القومي وتشرّع الأبواب للتطبيع. هذا التباين يخلق توتراً ويعكس حالة الاستقطاب السياسي في البلاد، خاصة عندما يُستخدم حراك المتقاعدين المطلبي كورقة ضغط في الصراعات السياسية.

لغم المبعدين وورقة تفاهم مار مخايل

يبقى ملف المحكومين العسكريين السابقين المرتبطين بـ”جيش لبنان الجنوبي” (ميليشيا لحد)، والذين فروا إلى إسرائيل عام 2000، نقطة خلافية معقدة ومستمرة دون تسوية قانونية. ترتبط هذه القضية ارتباطاً وثيقاً بـ “ورقة التفاهم” (تفاهم مار مخايل) الموقعة عام 2006 بين “حزب الله” و”التيار الوطني الحر”. فقد نص البند السادس من هذه الورقة صراحة على ضرورة العمل الحثيث لعودة اللبنانيين الموجودين في إسرائيل، انطلاقاً من مبدأ أن “وجود أي لبناني على أرضه هو أفضل من رؤيته على أرض العدو”.

إلا أن هذا البند لم يُترجم إلى إجراءات تنفيذية ملموسة وعادلة طوال عقدين من الزمن، مما أبقى الملف كـ “لغم” سياسي يُستثمر في التجاذبات الداخلية. التباين في تفسير كيفية العودة، والمحاكمات المطلوبة لمن خدموا في ميليشيا لحد، جعلت من التسوية أمراً شبه مستحيل في ظل القوانين المانعة. وبذلك، بقي هذا الملف ورقة تُستخدم لتبادل الاتهامات بالتخوين أو التخلي عن الحلفاء، وعائقاً أمام محاولات بناء رؤية أمنية واجتماعية موحدة تجاه مرحلة ما بعد الاحتلال.

عن Rita Chahwan

ريتا بولس شهوان، صحافية وباحثة ساهمت في عدد من الكتب منها "الكويت وإرادة الاستقلال في الوثائق العثمانية" و "ماذا فعل مدحت باشا في الخليج"(ذات السلاسل) وعملت في عدد من الصحف والمواقع الالكترونية العربية. تلقت تدريبات دولية على الاستقصاء وتخصصت في الاستقصاء الاجتماعي – الاقتصادي كما تولي اهمية كبيرة للشأن السياسي.

شاهد أيضاً

الأخبار»: هندسة «الغيريّة» واختراق الحصون الأكاديمية

في وقتٍ يبدو فيه الانقسام اللبناني أفقياً، يأتي العدد 5891 من جريدة «الأخبار» ليعكس محاولة …