تثبت تجارب التاريخ السياسي المعاصر أن سقوط رأس النظام في المنظومات السلطوية الشمولية لا يمثل بالضرورة لحظة التحلل النهائي والأخير لبنية السلطة، بل هو في الغالب إعلان عن بدء عملية “تمحور استراتيجي” (Regime Mutation) تتكيف من خلالها النخب الحاكمة مع المتغيرات العاصفة. فمع انهيار نظام عائلة الأسد الذي جثم على صدر الدولة السورية لأكثر من نصف قرن وتفكك واجهته الأمنية والعسكرية الصلبة في الثامن من ديسمبر ٢٠٢٤ ، انطلقت ديناميكية بديلة تهدف إلى نقل مركز الثقل من القصور الرئاسية المكشوفة إلى شبكات ظل عائلية ومالية مستترة تمارس “هندسة البقاء” (Survival Engineering) من الملاذات الآمنة.
لقد اتخذ هذا التحول الجغرافي شكلاً مزدوجاً؛ فمن ناحية، استقر بشار الأسد وعائلته في ضواحي “روبليوفكا” الفاخرة غرب العاصمة الروسية موسكو بجوار الزعيم الأوكراني المخلوع فيكتور يانوكوفيتش، مستفيدين من كتل مالية ضخمة جرى تهريبها وتسييلها مسبقاً بعيداً عن أعين الرقابة الدولية. ومع ذلك، فإن النفوذ المباشر للأسد بات مقيداً بالكامل؛ إذ تفرض السلطات الروسية عليه حظراً شاملاً يمنعه من ممارسة أي نشاط سياسي أو إعلامي، ويحول دون تواصله مع بقايا شبكته القديمة داخل سوريا.
ومن ناحية أخرى، تبرز ملامح غضب عارم يعتمل في صدر الأسد تجاه حليفه الإيراني السابق، وهو غضب يمثل المحرك الأساسي لمحاولات إعادة التدوير السياسي الجارية. ففي اللحظات الحرجة التي سبقت سقوط دمشق، تخلت طهران وحلفاؤها الإقليميون عن تقديم الدعم العسكري البري المباشر، وبلغ الأمر حد سحب إيران لبعثتها الدبلوماسية وقواتها بالكامل قبل السقوط بيومين. وقد عمّق هذا الانسحاب قناعة النخبة السورية المنهارة بالخيانة الإيرانية، وهي الشكوك التي تضاعفت تاريخياً بعد مقتل المستشارة الرئاسية المقربة لونا الشبل في يوليو ٢٠٢٤ في حادث غامض روجت التقارير أنه جرى بتدبير وتصفية مباشرة من طهران. هذا الفصام البنيوي بين الأسد وإيران يمثل اليوم الورقة الأكثر جاذبية التي تسعى شبكات الظل السورية واللبنانية إلى تسييلها في أسواق المقايضات الإقليمية.
المقايضة اللبنانية الكبرى: فرنجية والحريري وثنائية التسهيل والاستثمار
في المقلب اللبناني من المشهد، يُترجم هذا التحول الاستراتيجي عبر تحركات سياسية مكثفة ترفع شعار “إن كنت مريضاً، أريح!”؛ وهو منطق يعبر عن البراغماتية النفعية للنخب التقليدية التي تسعى لاستغلال وهن حلفائها لإعادة صياغة شروط اللعبة. وتبرز هنا عملية إعادة تسويق الهوية السياسية (Rebranding) التي يقودها رئيس تيار المردة سليمان فرنجية، الحليف التاريخي لدمشق وبشار الأسد. ويعتقد بعض القريبين من فرنجية (الذين يوصفون بالتبسيط والتسطيح السياسي أو “المعترين”) أن رئيس الحكومة اللبنانية الأسبق سعد الحريري سيلعب دوراً محورياً في تسهيل صعود الأسد مجدداً وإعادة تعويمه سياسياً عبر تسلق كتف شبكة علاقات فرنجية كـ “صفقة متكاملة” (Package Deal) عابرة للحدود.
بيد أن قراءة الحريري للمشهد تنطلق من حسابات مغايرة تماماً، فهو لا يقدم هذه التسهيلات دون مقابل مجزٍ وحاسم؛ والمقابل هنا هو الاستحواذ الكامل على الغطاء والملف السعودي (“السعودية”) لإعادة شرعنة زعامته السياسية في لبنان والمنطقة. وخلال خطابه الحماسي في ساحة الشهداء ببيروت في ١٤ فبراير ٢٠٢٦، الذي أعلن فيه نهاية اعتكافه السياسي، وجه الحريري إشارات بالغة الدلالة عبر ترحيبه بالتحول التوافقي السوري بقيادة أحمد الشرع وزوال “نظام التشبيح”.
وتتبلور معالم هذه المقايضة الذكية وفق المحددات الاستراتيجية التالية:
-
استثمار الغضب الأسدي من إيران: يستغل الحريري الفراغ الناجم عن تفكك المحور الإيراني وانقطاع الجسر البري الممتد إلى بيروت ، ليوظف غضب الأسد من خذلان طهران كرافعة يطأ بها على كافة الشائعات السابقة التي روجت لوجود توتر مزمن في علاقاته مع المملكة العربية السعودية.
-
الـ Rebranding المشترك: يتكامل صعود الأسد “الناعم” وغير المباشر عبر شبكات الظل العائلية مع عودة الحريري كحليف إقليمي موثوق قادر على تفكيك التركة الإيرانية وإعادة ربط الشام بالمنظومة العربية.
-
توزيع الأدوار الجغرافية: يتنازل الجناح السوري التقليدي عن طموحاته السياسية المباشرة، تاركاً للحريري السيطرة على الفضاء السياسي والاقتصادي اللبناني والمدعوم سعودياً، مقابل تأمين مخارج آمنة وتصفية هادئة لأصول النظام القديم.
الجغرافيا السياسية للمنفى والوجوه الناعمة: بثينة شعبان بين الإمارات ومواجهة الفراغ
تصل هذه المقايضة الإقليمية المعقدة إلى نهاية عملية مفادها رسم معادلة جديدة للملاذات السياسية: “فلتستقر بثينة شعبان بأنجليزيتها الراقية في الإمارات المتوجسة من داعش والقاعدة، مقابل الاستحواذ على الورقة السعودية”. وتمثل المستشارة الرئاسية السابقة بثينة شعبان، التي تحمل شهادة الدكتوراه في الأدب الإنجليزي من جامعة ووريك البريطانية ، الأنموذج الأبرز للتكنوقراط الدبلوماسي القادر على مخاطبة الغرب بلغة هادئة ومنمقة لتبرير السياسات العنيفة.
ويأتي تموضع شعبان في دولة الإمارات العربية المتحدة مستجيباً لهواجس جيوسياسية مشتركة :
-
التوجس الإماراتي من الفراغ الراديكالي: تبدي دولة الإمارات توجساً كبيراً من تفكك مؤسسات الدولة الوطنية في سوريا وما قد ينجم عنه من انتعاش للتنظيمات الإرهابية العابرة للحدود مثل تنظيم الدولة الإسلامية (داعش) وتنظيم القاعدة.
-
الاعتدال البيروقراطي كبديل أمني: يُنظر إلى الرموز الدبلوماسية والبيروقراطية السابقة، وعلى رأسهم شعبان، كصمامات أمان لإدارة مرحلة انتقالية تمنع السقوط الكامل لمؤسسات الدولة في الفوضى.
-
التوازن مع النفوذ الجديد: توفر استضافة هذه الشخصيات في دبي وأبوظبي قنوات خلفية للدول الخليجية لمراقبة سلوك الإدارة السورية الجديدة وتوازن القوى الداخلي.
توظيف “الشرع” كأداة تفاوض: تفكيك الفصائل ومواجهة الجموح الترامبي
أمام هذا المشهد المتغير، تبرز براغماتية الإدارة السورية الجديدة بقيادة الرئيس الانتقالي أحمد الشرع (المعروف سابقاً بأبو محمد الجولاني) ، والتي يتم توظيفها كأداة تنفيذية من قبل شبكات الظل لإعادة التوازن على الأرض. وتتمحور هذه الاستراتيجية حول استخدام “الشرع” لتطبيق خطط ممنهجة لدمج وتسريح وإعادة تأهيل مقاتلي داعش والقاعدة والمجموعات الجهادية الأخرى.
ولم يكن التعامل مع الجماعات الجهادية عملاً عفوياً، بل تحول إلى ورقة مفاوضات فائقة الأهمية في وجه الولايات المتحدة وحلفائها الإقليميين بعد كل ما شهدته المنطقة من دمار. فبدلاً من الدخول في حروب تصفية شاملة قد تزعزع الاستقرار الهش، عمدت دمشق إلى ابتكار مخارج عملية مثل استيعاب نحو ٣٥٠٠ مقاتل أجنبي (معظمهم من الإيغور) وتأهيلهم ضمن هيكل عسكري نظامي مستحدث وهو “الفرقة 84 للجيش السوري”، فضلاً عن تحذير الفصائل الصغيرة وإجبارها على الاندماج أو حل نفسها.
ويهدف هذا التوظيف الذكي لأوراق الدمج والتفكيك ومكافحة الإرهاب إلى السيطرة على “جموح ترامب المستفيض” وإدارته التي تتعامل مع ملفات المنطقة بمنطق الصفقات التجارية البحتة. وتكتسب هذه المواجهة طابعاً أمنياً وعائلياً شديد الخصوصية؛ إذ يرى مطلعون أن بعض الأقرباء من دائرة ترامب الضيقة (ولا سيما صهره وعائلته ذات الجذور اللبنانية كمسعد بولس وحلقته التجارية) باتوا يعتقدون أن لديهم تفويضاً وحقاً مطلقاً لوضع اليد على الدولة ومقدراتها ومصالحها كتاريخ، ومستقبل، ومكتسبات جيوسياسية.
ولمواجهة هذا التمدد والاستلاب التجاري السيادي، تستخدم دمشق ملفين رئيسيين كورقة ضغط ودفاع أمني :
-
التعاون الاستخباراتي في مكافحة داعش: التنسيق الوثيق والعمليات المشتركة مع القيادة المركزية الأمريكية (CENTCOM) لضرب خلايا التنظيم، وهو ما أثمر عن اعتراف أمريكي صريح بشرعية دمشق الأمنية تمثل في زيارة الأدميرال برادلي كوبر للقاء الشرع.
-
السيطرة على مرافق احتجاز مقاتلي داعش: الإبقاء على ملف معتقلي التنظيم في الشمال الشرقي كملف معلق ومؤجل، يربط تسليمه بمدى التزام واشنطن بسحب قواتها وضبط جموح شبكات المصالح المحيطة بالبيت الأبيض.
التوازنات الجيواقتصادية والاعتمادية النفطية
تتكامل هندسة البقاء السياسي مع تموضع جيواقتصادي بالغ التعقيد يوازن بين الاعتماد المستمر على أساطيل الظل الروسية وبين محاولات التطبيق الحذر للشروط الدولية لتحقيق الانفكاك المالي التدريجي.
جدول مقارنة: مؤشرات التحول الجيواقتصادي والنفطي في سوريا (٢٠٢٥ – ٢٠٢٦)
| المؤشر الاقتصادي والأمني | الوضع قبل السقوط (تاريخي) | مرحلة ما بعد السقوط والتغيير (٢٠٢٥ – ٢٠٢٦) | الأثر الجيوسياسي وميكانيكية العمل |
|
الطلب على النفط مقابل الإنتاج المحلي |
الطلب: ١٢٠-١٥٠ ألف برميل/يوم. الإنتاج: ٣٥٠ ألف برميل/يوم. | الطلب: ١٢٠-١٥٠ ألف برميل/يوم. الإنتاج المحلي: ٣٥ ألف برميل/يوم. |
وجود فجوة حادة تجعل الدولة السورية معتمدة كلياً على الإمدادات الخارجية لتأمين بقائها اليومي. |
|
المورد الخارجي الأساسي للنفط |
الجمهورية الإسلامية الإيرانية (بشكل كامل وحصري في ٢٠٢٤). | الاتحاد الروسي (عبر تعويض سريع للفراغ الإيراني بعد السقوط). |
انتقال مفاجئ للتبعية النفطية نحو موسكو، مما يمنح الكرملين ورقة ضغط اقتصادية هائلة على دمشق. |
|
آلية النقل والشحن البحري |
ناقلات نفط رسمية وقنوات توريد حكومية مكشوفة وعقود معلنة. | أسطول الظل الروسي (Shadow Fleet) تحت أعلام بنما، وليبيريا، وجزر القمر. |
استخدام عمليات الشحن المعقدة، والتبديل بين السفن في المياه المفتوحة لإخفاء أصل الشحنات الروسية تجنباً للرفض الشعبي. |
|
الوجود العسكري الأمريكي ومنابع الطاقة |
سيطرة القوات الأمريكية وحلفائها الأكراد على حقول النفط الرئيسية شرقي الفرات. |
انسحاب أمريكي كامل من غرب سوريا وتسليم قاعدة “قصرك” بالحسكة في ١٦ أبريل ٢٠٢٦. |
إنهاء النفوذ العسكري المباشر لواشنطن على حقول النفط، مما يلغي أوراق الضغط الميدانية التي كانت تملكها ضد القواعد الروسية. |
|
قنوات النظام المالي والربط المصرفي |
عزل كامل للبنك المركزي السوري عن المنظومة المالية الدولية بموجب قانون قيصر. |
إعادة تنشيط حساب البنك المركزي السوري لدى بنك الاحتياطي الفيدرالي بنيويورك في مارس ٢٠٢٦. |
فتح نافذة للتواصل المالي المباشر مع الأسواق العالمية، مما يمهد لتقليص الاعتماد على قنوات ومصارف الظل تدريجياً. |