يعيش الكيان اللبناني أزمةً بنيوية مزمنة، تُشخّصها أدبيات السياسات بوصفها نتاجاً لـ “أمننة الزبائنية” وتداخل التمثيل الطائفي(محاصصة) بإدارة المال العام. وفي سياق البحث عن مخارج خلاقة لهذا المأزق التاريخي، يقدم ميثاق “الدولة العادلة” خارطة طريق للانتقال نحو المواطنة والجدارة. غير أن هذا التحول الجذري، الفلسفي والإجرائي، يصطدم برؤية فكرية وسياسية مغايرة ومؤسِّسة صاغها آية الله الشيخ محمد مهدي شمس الدين في كتابه المرجعي “العلمانية”.
تتكامل أطروحة الشيخ شمس الدين (“الدولة المدنية المؤمنة”) مع بنود هذا الميثاق، و تعارض بعض منطلقاته الجذرية، مبيناً الفوارق بين الدعوة إلى العلمنة الشاملة وبين الخصوصية الميثاقية للكيان اللبناني.
1. المنطلقات الأخلاقية والوجودية لـ “العدل والجدارة” وتجريد السلطة
تطرح الوثيقة مبدأً استراتيجياً يقوم على تحويل الدولة من “ساحه اشتباك وتوزيع حصص” إلى “كيان أخلاقي” يجسد مرجعية الحل، مستندة إلى إرث فكري رصين يربط بين العدل واستقرار الدول (كما في سيرة الإمام علي)، ومطالبة بتبني معايير مهنية مشتقة من قيم “طهارة اليد” والتجرد المهني.
جدول المقارنة التنظيمية في ضوء فكر شمس الدين:
| معايير القيادة التقليدية (التبعية الرأسية) | المعايير المهنية المقترحة (التجرد المهني) | مقاربة الشيخ شمس الدين (من كتاب العلمانية) |
| التبعية الزبائنية الرأسية: الولاء للزعيم كشرط للوصول للحقوق. | النزاهة المطلقة والتجرد المهني: (Professional Disinterest) كمعيار قيمي وحيد. | الحكم أمانة: تتفق الأطروحة مع تجريد السلطة من الشخصانية كواجب ديني وأخلاقي يقع تحت ضابط “ولاية الأمة على نفسها”. |
| المحاصصة الفئوية: توزيع الوظائف كأدوات لتثبيت نفوذ “نخبة المحاصصة”. | الجدارة الكونية: (Universal Merit) معايير تقنية عابرة للطوائف والحدود. | إلغاء الامتياز الفئوي: يؤكد شمس الدين أن الوظيفة العامة تكليف لخدمة المجتمع وليست غنيمة طائفية. |
| الإدارة كغرفة عمليات طائفية: تسييس الوظيفة لخدمة الأجندات الضيقة. | الإدارة كأمانة أخلاقية: تحصين المرفق العام ضد التجاذبات السياسية. | التحفظ على اللغة المذهبية: يرى شمس الدين أن لغة ميثاق الدولة المدنية يجب أن تكون دستورية جامعة، وتجنب إسقاط الرموز المذهبية لئلا تثير هواجس الشركاء. |
2. التجريد السياسي للإدارة: تحويل الإدارة العامة إلى “منطقة محرمة”
تمثل الإدارة العامة العصب الحيوي والوجودي للدولة، مما يستوجب عملية “فك ارتباط هيكلي” (Structural Decoupling) حازمة بين النفوذ الطائفي والوظيفة العامة عبر إرساء “درع الجدارة التنظيمي” (Merit-Based Regulatory Shield) لتطهير الإدارة من خطيئة المحاصصة.
تحليل مقارن لنماذج الإدارة في السياق التوافقي في ضوء فكر الكاتب:
-
الإدارة القائمة على الولاء الزعيماتي:
-
النتائج اللبنانية: ترهل مؤسساتي، هدر بنيوي للموارد، وضياع الجدارة لصالح الولاء، مما يحول المواطن إلى “مرتهن خدماتي” يستجدي حقوقه الأساسية كمنن وعطايا من الزعيم الطائفي.
-
موقف شمس الدين: يتفق الكاتب تماماً مع هذا النقد؛ إذ يرى في كتابه أن “الطائفية السياسية الإدارية” هي الخطيئة الكبرى التي شلت أجهزة الدولة وعطلت محركاتها التنمية، ويجب استئصالها بلا هوادة لاعتماد الكفاءة كمعيار وحيد للمساواة أمام الأمانة العامة.
-
-
الإدارة القائمة على العدل المؤسساتي:
-
النتائج المقترحة: كفاءة تشغيلية، إنصاف اجتماعي، وحماية السيادة المالية للدولة، مما يرفع تكلفة “الزبائنية الطائفية” ويحرر المواطن من قيود الارتهان للوسيط السياسي.
-
موقف شمس الدين: يرى شمس الدين أن “المساواة أمام الأمانة” الإدارية هي المدخل الفعلي لتحرير الإنسان وتجفيف منابع الزبائنية، ولكنه يضع ضابطاً هاماً: يجب الفصل بحزم بين تجريد الإدارة العامة من الطائفية (وهو أمر واجب)، وبين الحفاظ على التوافق الميثاقي السياسي العام في هرم السلطة السياسية الكبرى (مجلس الوزراء ومجلس النواب) كضمانة وجودية لحفظ الشراكة الوطنية طمأنةً للمسيحيين وحمايةً لهم من خطر الذوبان في “الديمقراطية العددية”.
-
3. التأسيس للمواطنة الفردية: التحرر من أعباء التبعية
تدعو الوثيقة إلى صياغة نموذج المواطن “خفيف الحمل” عبر إقرار قانون مدني موحد للأحوال الشخصية يمثل “المعمودية المدنية” (Political Baptism) التي تنقل الفرد من حيز “الرعية” إلى رحاب “المواطنة السياسية”، محققة الانتقال من “التوافقية الشركاتية” (Corporate Consociationalism) المتصلبة إلى “التوافقية الليبرالية” (Liberal Consociationalism). وتستلهم كرامة الفرد من رموز كونية مثل “شجاعة الزهراء” و”تضحية المسيح”، مسترشدة بالنموذج الأرمني كأداة بناء سلام من خلال “الحياد الإيجابي”.
هنا تسجل مراجعة كتاب “العلمانية” للشيخ شمس الدين نقاط الاختلاف والمعارضة الجوهرية:
-
الدفاع عن الخصوصية التشريعية (الاستقلالية القطاعية): يعارض الشيخ شمس الدين بقوة فكرة فرض قانون مدني موحد وإجباري للأحوال الشخصية. ويرى في كتابه أن احتفاظ الطوائف (المسيحية والإسلامية) بمحاكمها وتشريعاتها الأسرية والروحية هو ركيزة أساسية لـ “حرية الاعتقاد” المكفولة دستورياً، وليس قيداً طائفياً يجب التخلص منه.
-
التحفظ على المصطلحات الدينية لتعريف حقوق المواطنة: يرى شمس الدين أن إدراج رموز ومصطلحات عقائدية مذهبية مخصصة (مثل المعمودية المدنية أو الاستشهاد الفئوي) لتأسيس مشروع مدني مشترك قد يؤدي إلى تطييف لغة الإصلاح وإثارة هواجس الشركاء في الوطن. فاللغة الإصلاحية في نظره يجب أن تظل دستورية وعقلانية ومحايدة مذهبياً لتجمع ولا تفرق.
-
المواطنة خفيفة الحمل دون فرض قوانين قسرية: يرى شمس الدين أن تحرير المواطن من أعباء التبعية للزعيم الإقطاعي يتحقق عبر إرساء سلطة القانون، واستقلال القضاء، وبناء شبكات أمان اجتماعي مدنية تضمن حقوق المواطن الأساسية، مما يجعله “خفيف الحمل” سياسياً واجتماعياً دون الحاجة لتجريده من قيده وثقافته الطائفية التاريخية التي تمثل غنى للكيان اللبناني.
4. بناء “النخبة الإدارية” الجديدة: الجدارة كمعيار كوني
تقترح الوثيقة بناء “نخبة إدارية” صلبة تمثل “الجيش المدني” للتحول الهيكلي، مستلهمة نموذج “الموظف العمومي المرن” (Resilient Public Servant) الذي يدمج بين دقة التخطيط وحرصه التقني (Oikonomia) وبين الشجاعة والجهر بالحق (Parrhesia)، معتمدة شروطاً مرجعية صارمة: طهارة اليد، المعرفة والتضحية، والجدارة الكونية (Universal Merit).
تفاعل فكر شمس الدين مع معايير النخبة الإدارية:
-
تأييد النزاهة والجدارة: يتفق شمس الدين مع هذه المعايير بقوة؛ إذ يرى أن تفعيل معايير “طهارة اليد” والكفاءة العلمية هو السبيل الوحيد لإنقاذ المالية العامة وتسيير إدارة الدولة بكفاءة ريادية تفرض احترامها في المحافل الدولية وتكسب ثقة مواطنيها.
-
التحفظ على دمج الرموز الدينية بالمهام الإدارية: يكرر الشيخ شمس الدين في كتابه التحذير من تطييف معايير التقييم الإداري. ويرى أن دمج مصطلحات دينية (مثل Oikonomia المستندة لإدارة شؤون المنزل التاريخية أو Parrhesia المستندة للجهر العقائدي بالحق) وتنزيلها على شروط الوظيفة العامة قد يقوض مبدأ “الجدارة الكونية” المحايد، ويخلق تمايزاً مذهبياً يعوق الاندماج الوطني الشامل ويضر بصدقية الدولة المدنية كحصن وجامع لجميع مواطنيها على أساس الكفاءة التقنية البحتة والدستورية الخالصة.
5. الخاتمة: لبنان بين “مرط النجاة” و”لعنة التيه”
يقف لبنان اليوم أمام لحظة تاريخية فاصلة، تتطلب خياراً استراتيجياً حاسماً لا يحتمل التأجيل. إن هذا الميثاق يضعنا أمام مسارين يحددان مصير الكيان الاجتماعي والسياسي:
-
أولاً: مرط النجاة (The Garment of Salvation)؛ وهو الالتزام الشجاع بالإطار الدستوري والقانوني الواقي القائم على العدل المطلق والجدارة المهنية. إنه “الثوب الدستوري” والمدني العادل الذي يحمي المواطن من غوائل الزمان ويصون حقوقه الفردية، ويُعتمد فيه “العيش المشترك” والشورى التوافقية كصيغة لحفظ التوازن، وممارسة “الحياد الإيجابي” كأداة فاعلة لصون السيادة واستقرار الكيان بعيداً عن صراعات المحاور.
-
ثانياً: لعنة التيه (The Curse of Wandering)؛ وهي البقاء في دهاليز المحاصصة الطائفية “الشركاتية” الجامدة والزبائنية التي لا تنتج إلا التفتت الجيوسياسي، وضياع الهوية الوطنية، والارتهان الدائم والكامل للقوى الخارجية.