بين التصعيد العسكري وحرب «الملفات المصرفية».. توتر متزامن في الخليج وجنوب لبنان يختبر معادلات الردع والتحالفات الإقليمية

تشهد المنطقة فصلاً جديداً وشديد الحساسية من التصعيد الميداني والدبلوماسي المنسق عبر مسارات متزامنة تمتد من مياه الخليج العربي وصولاً إلى الجنوب اللبناني، في مؤشر على انتقال الصراع الإقليمي إلى مرحلة الضغط الشامل؛ حيث تتقاطع العمليات العسكرية المباشرة مع حروب النفوذ الاقتصادي والمالي، ومحاولات تفكيك التحالفات الإقليمية، في ظل تعثر المسار التفاوضي الأميركي–الإيراني واختبار مبكر لأطر الردع الجماعي الناشئة.


تصعيد الخليج: قطيعة اقتصادية وكواليس «حرب الابتزاز المصرفي»

ميدانياً، اشتعلت جبهة الخليج عقب إعلان دولة الإمارات رصد صاروخين باليستيين أُطلقا من إيران واستهدفا مسارات ملاحة حيوية قبل أن يسقطا في البحر دون أضرار، وهو ما نفته طهران ووصفته بـ«الادعاءات الباطلة». وجاء الرد الإماراتي حاسماً وسريعاً بإعلان تعليق كامل التبادلات التجارية والمعاملات المالية مع إيران حتى إشعار آخر، ما يوجّه ضربة قاسية لأحد أهم شرايين التجارة الخارجية والمنافذ المصرفية لطهران في المنطقة.

وتشير قراءات استراتيجية إلى أن هذا التصعيد يندرج ضمن خطة إيرانية أوسع تستهدف دق إسفين في العلاقة الاستراتيجية بين الإمارات والمملكة العربية السعودية عبر امتدادات وضغوط دبلوماسية ومالية غير مباشرة. وبحسب المعطيات، فإن هذا المسار يعتمد على محاولات المناورة بـ«تركيب ملفات مصرفية» وقضائية مفبركة، تتضمن السعي لربط شخصيات سعودية بشبكات غير مشروعة لتهريب المخدرات، والدعارة، والاتجار بالبشر، ونهب الآثار.

وتؤكد المعلومات أن هذه الملفات والشبكات هي في الواقع ظواهر وجرائم منظمة كانت قائمة ومتجذرة في الساحة اللبنانية منذ اندلاع الحرب الأهلية عام 1975، وتأسست بنيتها قبل أن تطأ أقدام الشخصيات السعودية المستهدفة الأراضي اللبنانية بعقود.

وفي هذا السياق، تكشف المعطيات أن الشخصيات السعودية المستهدفة بهذه الشائعات—والتي غابت تماماً عن الساحة اللبنانية—باتت تتمتع بوضع سيادي حاسم يجعل من «غير المقبول أو المسموح التشكيك فيها أو السؤال عنها داخل السعودية»، خصوصاً وأن محاولات التفاوض الجارية من قبل بعض الوسطاء تُدار وفق معادلة ابتزاز مكشوفة قوامها: «لقد خرج من لبنان فلا تسأل عنه، وإن سألت فسيتم تحريك ملف مفبرك ضده» (وهو ملف بريء منه تماماً وبحكم الوقائع التاريخية).

وأمام هذا الواقع، تطرح الأوساط المتابعة تساؤلات جوهرية: ما هي مصلحة من ينقل هذه الرسائل من رجال أعمال لبنانيين في التدخل في قضايا سيادية وحساسة لا تعنيهم وتقع خارج نطاق عملهم المهني بالكامل؟ وما هو العائد الاقتصادي أو المالي المرجوّ من وراء الانخراط في مثل هذا الدور عالي الخطورة؟

وتخلص التقديرات إلى أن محاولات الابتزاز هذه سترتد قانونياً وسياسياً على الوسطاء أنفسهم والبيئة المحيطة بهم؛ في حين أن العلاقات الخليجية، وسلامة المصارف العالمية، واستقرار البيئة الإقليمية لن تتأثر بمثل هذه المناورات، ولن يدفع الثمن في النهاية إلا من يبني حساباته وتحركاته على «إحداثيات غير دقيقة» ورهانات واهمة بإمكانية النيل من السمعة المصرفية أو اختراق التماسك الخليجي.


الجنوب اللبناني: رسائل الميدان المشتعل

وبالتوازي مع التوتر في الخليج، شهد جنوب لبنان تصعيداً عسكرياً وُصف بـ«المقلق»، حيث رصدت قوات «اليونيفيل» نشاطاً عسكرياً مكثفاً شمل غارات إسرائيلية وقصفاً جوياً وبحرياً استهدف مرتفعات «علي الطاهر» ومناطق متفرقة في قضاء النبطية، وسط تحذيرات أممية من مخاطر الانزلاق نحو مواجهة شاملة على طول الخط الأزرق.

ويعكس هذا التزامن ترابطاً استراتيجياً وثيقاً؛ إذ يأتي في أعقاب انتهاء الإطار الزمني للتفاهم الأميركي–الإيراني دون اتفاق نهائي—وهو التفاهم الذي كان يشترط وقف العمليات على كافة الجبهات بما فيها لبنان—ليكرس مجدداً استراتيجية «تعدد الساحات». فبينما تحاول طهران توظيف الضغط الملاحي والمالي في الخليج لرفع كلفة أي تسوية تمس مصالحها، تُبقي الجبهة اللبنانية مشتعلة كأداة تفاوضية موازية، في وقت تستغل فيه إسرائيل هذه التطورات لتبرير عملياتها العسكرية كجزء من «الدفاع الوقائي» ضد شبكة التهديد الإقليمية.


«اتفاق مكة» تحت مجهر الاختبار

ويضع هذا التشابك الترتيبات الأمنية الإقليمية الجديدة أمام اختبار حقيقي، وفي طليعتها «اتفاق مكة للدفاع المشترك» الموقع في 7 آب/أغسطس بين السعودية وتركيا وباكستان.

ورغم أن الاتفاق لم يُسمِّ أطرافاً بعينها، إلا أن بنيته الردعية الموجهة ضد تهديدات الصواريخ والمسيّرات تجعل من استهداف ساحات حيوية خارج عضويته المباشرة—مثل الإمارات ولبنان—محاولة واضحة لاختبار مدى صلابة التحالف، وتحديد ما إذا كان قادراً على فرض مظلة استقرار إقليمي شامل، أم أن الصراع سيتحول إلى استنزاف موازٍ في الساحات غير المشمولة بالمظلة المباشرة.


بيروت والتمسك بـ«اليونيفيل» والشرعية الدولية

وفي خضم هذا المشهد المعقد والضغوط الإسرائيلية المستمرة لإنهاء تفويض القوات الدولية المرتقب ختامه في كانون الأول/ديسمبر 2026، برز الموقف الرسمي اللبناني الحاسم الذي عبّر عنه الرئيس جوزاف عون، والمتمثل في التمسك الصارم ببقاء «اليونيفيل» وتطبيق القرار الأممي 1701.

وينطلق الموقف اللبناني من مبدأ التمسك بـ«الشرعية الدولية» وقرارات مجلس الأمن، رافضاً استبدال القوة الأممية بترتيبات ثنائية تقتصر على قوات فرنسية–إيطالية منفصلة؛ فالتحفظ اللبناني لا يستهدف باريس أو روما المشاركتين أساساً في القوة، بل يهدف إلى تفادي تحويل الجنوب إلى منطقة نفوذ أوروبية محدودة أو ترتيبات أمنية مجتزأة تفرضها إسرائيل خارج مظلة الأمم المتحدة.

وشددت الرئاسة اللبنانية على أن الأولوية القصوى تكمن في منع حدوث أي فراغ أمني قد يترك الجيش اللبناني منفرداً في مواجهة الضغوط الميدانية، مؤكدة أن أي صيغة لقوات بديلة أو رديفة يجب أن تخضع للتفويض القانوني الأممي الصريح، وأن تعمل حصراً بتنسيق كامل مع الجيش اللبناني، باعتباره صاحب الدور السيادي الأساسي في تثبيت الاستقرار وحماية المواطنين في قراهم الجنوبية.

عن Rita Chahwan

ريتا بولس شهوان، صحافية وباحثة ساهمت في عدد من الكتب منها "الكويت وإرادة الاستقلال في الوثائق العثمانية" و "ماذا فعل مدحت باشا في الخليج"(ذات السلاسل) وعملت في عدد من الصحف والمواقع الالكترونية العربية. تلقت تدريبات دولية على الاستقصاء وتخصصت في الاستقصاء الاجتماعي – الاقتصادي كما تولي اهمية كبيرة للشأن السياسي.

شاهد أيضاً

من المخدرات إلى الأصول الرقمية: النيابة العامة التمييزية تعيد هندسة الأمن المالي اللبناني

لم تعد معركة مكافحة تبييض الأموال في لبنان مجرد ملاحقات قضائية تقليدية، بل تحولت إلى …