بين القنابل والميزانيات: كيف تدعم السياسة الخارجية الأمريكية حصار جنوب لبنان

يعيش جنوب لبنان كارثة إنسانية على جبهتين، تصفها منظمات حقوق الإنسان بأنها حملة ممنهجة لجعل المنطقة غير قابلة للحياة من خلال التدمير المتعمد للبنية التحتية والحجب المحسوب للمساعدات الإنسانية. في أغسطس 2026، كشفت تحقيقات “فاينانشال تايمز” و”لايت هاوس ريبورتس” أن القوات الإسرائيلية استهدفت بشكل منهجي القرى والمنازل والطرق والأراضي الزراعية والغابات في جنوب لبنان، في انتهاك صارخ لوقف إطلاق النار الذي كان قد دخل حيز التنفيذ. ووصفت كريستين بيكرلي، من منظمة العفو الدولية، ما يحدث بأنه “هجوم واسع النطاق وطويل الأمد ومنظم ضد أهالي جنوب لبنان، حوّل أجزاء من المنطقة إلى أراضٍ قاحلة غير صالحة للعيش”.

تكشف بيانات وكالات الأمم المتحدة عن سياسة “التجويع التمويلي” المتعمدة: تُظهر بيانات خدمة التتبع المالي التابعة لمكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية (OCHA) في 21 أغسطس 2026، أن نداء الطوارئ لعام 2026 للبنان، الذي طلب 639.9 مليون دولار لتلبية الاحتياجات الأساسية لـ 1.4 مليون شخص، لم يُموَّل إلا بنسبة تتراوح بين 45 إلى 48 بالمئة فقط، حيث تم تأمين أقل من 285 مليون دولار. وبحلول منتصف أغسطس 2026، أفاد المتحدث باسم المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين (UNHCR)، بابار بالوش، أن إجمالي ما جمعته المفوضية بلغ 113 مليون دولار فقط من أصل 472.3 مليون دولار مستهدفة، أي بنسبة تمويل 24% لعملياتها في لبنان. ورغم جهود منظمة “اليونيسيف” لتوفير مياه صالحة لـ 1.75 مليون شخص، لا يزال أكثر من 700 ألف شخص يفتقرون للمياه بسبب تدمير 175 خزان مياه، و124 بئراً ارتوازية، و85 مولداً كهربائياً، و16 محطة ضخ رئيسية. كما أشار تقرير الوضع الإنساني رقم 4 الصادر في 30 يونيو 2026، إلى أن التقرير الموحد لتقييم الاحتياجات السريعة (OCHA) الصادر في أغسطس 2026، أوضح أن أكثر من 1.4 مليون شخص يحتاجون إلى مساعدة إنسانية، مع بقاء 360 ألف نازح، ولجوء 22 ألفاً على الأقل إلى مراكز إيواء جماعية، وسط استنفاد حاد لمخزونات الإيواء التي لم يتبقَ فيها أقل من 1000 خيمة.

إن هذا النقص المتعمد في التمويل يشكل انتهاكات ممنهجة للقانون الدولي الإنساني، قد ترقى إلى مصاف جرائم الحرب وفقاً لنظام روما الأساسي. فهذا السلوك ينتهك المادة 8(2)(ب)(25)، التي تجرّم “استخدام تجويع المدنيين متعمداً كوسيلة من وسائل الحرب بحرمانهم من الأغراض التي لا غنى عنها لبقائهم”. ففي لبنان، أدى تدمير البنية التحتية للمياه إلى حرمان أكثر من 700 ألف مدني من المياه الصالحة، بينما تمنع فجوة التمويل (55-52%) الوكالات من شراء الوقود وقطع الغيار، وهو ما يعد إعاقة متعمدة لإمدادات الإغاثة.

كما ينتهك هذا السلوك المادة 8(2)(ب)(4)، التي تجرّم الهجمات التي تسبب أضراراً بالأعيان المدنية “تكون مفرطة بوضوح في علاقتها بالميزة العسكرية المرجوة”. إن تدمير الأحياء السكنية في المنصوري وبيت ياحون وحداثا يبدو مفرطاً بوضوح، خاصة وأن معظمه حدث بعد أن سيطرت القوات الإسرائيلية على تلك القرى الخالية.

والأخطر من ذلك، أن تقديم المساعدات العسكرية مع حجب التمويل الإنساني يخلق روابط تواطؤ. فقد قدمت الولايات المتحدة 17.9 مليار دولار كمساعدات عسكرية، بما في ذلك 28,000 قنبلة ذكية منذ أكتوبر 2023، بينما ساهمت بـ 34.9 مليون دولار فقط في نداء لبنان (أي بنسبة 0.19%)، مما يخلق “تواطؤاً مزدوج المسار”. قد يرقى هذا السلوك إلى جرائم ضد الإنسانية بموجب المادة 7(1)(د) التي تجرّم “التهجير القسري للسكان”، نظراً لبقاء 360 ألف نازح تمنعهم ظروف التدمير ونقص التمويل من العودة، وبموجب المادة 7(1)(ك) التي تجرّم “الأفعال اللاإنسانية التي تسبب معاناة شديدة”، والتي تشمل الحرمان الممنهج من الماء والغذاء والمأوى لـ 1.4 مليون مدني.

تتفاقم هذه الانتهاكات بخرق اتفاقيات جنيف؛ فالمادة 33 تحظر العقاب الجماعي، ومع ذلك يطال التدمير جموع المدنيين. والمادة 59 تلزم القوى المحتلة بتسهيل الإغاثة، إلا أن القوات الإسرائيلية منعت قوافل المساعدات. والمادة 23 تلزم الدول المانحة بتسهيل وصول الإمدادات الأساسية، بينما تؤدي فجوة التمويل إلى عرقلة وصولها.

إن المرحلة التي تلت اتفاق الإطار الموقع في أواخر يونيو 2026 تميزت بنزوح مستمر يكشف فشل الاتفاق في تحقيق السلام أو الأمن للمدنيين في الجنوب. فرغم وقف الأعمال العدائية رسمياً، أُجبرت مئات العائلات على الفرار المتكرر بين يوليو وأغسطس 2026، مع تجدد الغارات الجوية الإسرائيلية وعمليات الهدم البري التي أطلقت موجات جديدة من الإخلاء. صرح المتحدث باسم الأمم المتحدة، فرحان حق، للصحفيين في نيويورك بأن “حركة الناس للعودة إلى مجتمعاتهم في جنوب لبنان تباطأت في الأيام الأخيرة نتيجة استمرار الأعمال العدائية”، بينما أفادت المفوضية السامية لشؤون اللاجئين أن الغارات الجوية الإسرائيلية هجّرت عائلات إضافية فرّت شمالاً نحو طرابلس والبقاع وجبل لبنان بحثاً عن أي أمان. لا وجود لسلام حقيقي في الجنوب، فالمدنيون في حالة تنقل دائم، يوضّبون أمتعتهم بمجرد سماع دوي انفجار، دون يقين بأنهم سيرون منازلهم مرة أخرى. الأثر النفسي عميق؛ فمنذ عام 2023 نُزحت العائلات مرتين أو ثلاث مرات، ولم يُنفَّذ اتفاق الإطار فعلياً على الأرض، حيث لا يزال واقع الاحتلال والهدم والتهجير القسري مستمراً. إن معظم جنوب لبنان بات فعلياً “الجزء الأسود من لبنان”، منطقة مخصصة للتدمير، حيث تُصنع الحياة مستحيلة ويُمنع العودة عمداً، سواء بفعل التدمير المادي أو بالشلل المالي.

لقد نشرت وزارة الشؤون الاجتماعية 120 منسقاً وزارياً في 232 مركز إيواء، لكن احتياطيات المصرف المركزي قد استُنزفت. وفي يوليو 2026، التقى رئيس الوزراء نواف سلام، والرئيس جوزيف عون، بالمفوض السامي للأمم المتحدة فولكر تورك لطلب المزيد من الدعم.

إن الفظائع المرتكبة بحق الجسد اللبناني كبيرة؛ حيث أفادت مصلحة مياه جنوب لبنان بحرمان أكثر من 700 ألف شخص من المياه الصالحة، وذكرت “فاينانشال تايمز” أن 2500 كيلومتر من البنية التحتية للمياه دُمرت، بما في ذلك جميع جسور نهر الليطاني.

وقد صرح فولكر تورك بأن على إسرائيل سحب قواتها العسكرية ووقف عمليات الهدم و”التدمير الشامل”. وخلال زيارة تورك لمركز إيواء يضم 1000 نازح، وجد أن الانتهاكات “قد ترقى إلى جرائم حرب”.

تتسم الاستجابة الدولية “بحصار مالي”، على الرغم من صدور تحذيرات بهذا الشأن. الوقود أصبح أغلى بكثير مما يسمح به التمويل، مما يجعل الوكالات عاجزة عن المشاركة في تخفيف العقاب الجماعي. ونتيجة لذلك، لا يزال 22 ألف شخص في مراكز الإيواء دون كهرباء أو مرافق صرف صحي مناسبة، وتفقد المستشفيات قدرتها على تشغيل معدات إنقاذ الحياة.

سجل مكتب فولكر تورك 4300 حالة وفاة و12200 إصابة، بما في ذلك أكثر من 135 عاملاً في المجال الصحي منذ 2 مارس، ووصفها في بيان بأنها “جرائم حرب محتملة”. وتقوم بعثة من مفوضية الأمم المتحدة السامية لحقوق الإنسان، وصلت في يونيو 2026، بجمع أدلة جنائية. وقد أعرب تورك عن قلقه من أن “الجرائم الدولية” قد تُرتكب من خلال استمرار الاحتلال ومنع العودة.

ويطالب المدافعون عن المساءلة، مثل الهيئة الوطنية لحقوق الإنسان ومنظمة “هيومن رايتس ووتش”، بتشكيل “لجنة تحقيق دولية” و”آلية مساءلة للمانحين”. كان الهدف من اتفاق الإطار أن يكون اتفاقاً لتحقيق الاستقرار، لكن تنفيذه اتسم بـ”فراغ إنساني”، مع تعليق تمويل إعادة الإعمار كوسيلة ضغط.

وتتجه مجموعات المجتمع المدني بشكل متزايد إلى المحكمة الجنائية الدولية للتحقيق مع القادة العسكريين ومسؤولي الدول المانحة. إن “سلاح الندرة غير المرئي” سيستمر في تمزيق النسيج المدني لجنوب لبنان، بنفس فعالية القصف الجوي، ما لم تتغير الأولويات العالمية جذرياً، مما سيترك الجنوب “منطقة سوداء” في لبنان، غير قابلة للحياة عن عمد وتصميم.

عن Rita Chahwan

ريتا بولس شهوان، صحافية وباحثة ساهمت في عدد من الكتب منها "الكويت وإرادة الاستقلال في الوثائق العثمانية" و "ماذا فعل مدحت باشا في الخليج"(ذات السلاسل) وعملت في عدد من الصحف والمواقع الالكترونية العربية. تلقت تدريبات دولية على الاستقصاء وتخصصت في الاستقصاء الاجتماعي – الاقتصادي كما تولي اهمية كبيرة للشأن السياسي.

شاهد أيضاً

من المخدرات إلى الأصول الرقمية: النيابة العامة التمييزية تعيد هندسة الأمن المالي اللبناني

لم تعد معركة مكافحة تبييض الأموال في لبنان مجرد ملاحقات قضائية تقليدية، بل تحولت إلى …