سلطة “العلم والخبر” وهندسة النفوذ: كيف تحولت الجمعيات إلى “سفارات ظل” ومصيدة للأجندات الحزبية في لبنان؟

وكان ذلك قبل ان يعتمد مسعد بولس مصطلح : NEXUS وهو من نتيجة ابحاث عمرها من 2009 !

في لبنان، لم يكن “العلم والخبر” مجرد إخطار إداري روتيني، بل تحول في الحقبة الممتدة ما بين 2014 و2019 إلى أداة استراتيجية في يد وزارة الداخلية لـ “خصخصة الدبلوماسية” وبناء أذرع نفوذ موازية. في مرحلة اتسمت بالشلل المؤسساتي وتضارب الرؤى، أدرك نهاد المشنوق، بصفته وزيراً للداخلية، أن إدارة البلاد لا يمكن أن تستقيم عبر القنوات الرسمية المحاصرة، فلجأ إلى هندسة “سفارات ظل” عبر منظمات المجتمع المدني، لتجاوز البيروقراطية الرسمية التي كانت خاضعة لهيمنة خصومه.

لم تكن هذه الاستراتيجية عشوائية؛ فقد طُعمت ببعد اقتصادي ركز على مراكز الثقل في بيروت، صيدا، وطرابلس، مع دراسة ديموغرافية دقيقة تهدف لـ “إدارة التنوع”. لقد سعى المشنوق لترسيخ نموذج مواطنة لا يعترف بالحدود الطائفية، مؤمناً بأن ما ينطبق من انفتاح ومسؤولية على ابنته في كسروان يجب أن يسري كنموذج إداري واجتماعي على “باقي بنات الناس” في كل المناطق. لقد كان يحاول كسر القوالب الطائفية الضيقة عبر خلق مساحات مشتركة تدار بمبدأ “إدارة التنوع”، محولاً الجمعيات إلى مختبرات لسياسة وطنية بديلة.

في هذا السياق، برز فارس بويز كمرجعية رؤيوية؛ فبخبرته الدبلوماسية العريقة في التسعينيات، رأى في هذه الجمعيات استجابة اضطرارية للفراغ الذي خلقه أداء جبران باسيل في وزارة الخارجية. ومع ذلك، لم تكن رحلة بويز مع هذه المنصات خالية من الصدمات؛ إذ خابت آمال الرجل في مجموعات “الاستقطاب” التي دعمها باسيل للولوج إلى مراكز القرار الأميركية. هؤلاء الذين نالوا رضاه سابقاً في مرحلة “نهاد نوفل” مجاملةً لأبناء منطقته في “ذوق مكايل” -التي كانت معقلاً عابراً للأحزاب ومكتباً مجانياً للعمل السياسي قبل أن يحكم التيار الوطني الحر قبضته عليها- تحولوا إلى أداة لفرض الأجندات الحزبية. لقد استغل التيار تلك المنطقة لتجيير الوظائف والمكتسبات الأميركية لأتباعه، بمن فيهم من لم يمتلكوا “شهادات جامعية مكتملة الأركان”، مما وضع بويز في موقف محرج أمام أبناء منطقته الذين فُرضوا عليه ككوادر تفترض الإدارة الأميركية أنها تمثل كفاءات لبنانية.

لقد كانت اللعبة التي أدارها التيار الوطني الحر أعمق من مجرد توظيف؛ فقد سعت “الاستراتيجية الباسيلية” إلى إقصاء أسماء وازنة عن الإدارة الأميركية عبر الاستقطاب العابر قبل التنظيم الداخلي، في محاولة للسيطرة على “قلب الإدارة” وتوجيه الدبلوماسية اللبنانية نحو أهداف حزبية. لكن هذه “اللعبة الخفية” انقلبت على باسيل لاحقاً؛ فمن وثق بهم من “أدوات التغلغل” في مراكز القرار، قاموا بفتح قنوات تنسيق جانبية مع حزب الله تحت إشرافات غير مدروسة، مما أدى في نهاية المطاف إلى استدراج العقوبات الأميركية عليه، وهو ما يثبت أن محاولات حصر القرار في “أتباع بلا كفاءة” قد أدت إلى عزل لبنان دولياً بدلاً من إيصال صوته.

إن هذه “الدبلوماسية الموازية” نجحت في جزء منها لأنها امتلكت شرعية مزدوجة؛ فهي لبنانية المنشأ بموجب قانون الداخلية، وعالمية النشاط بموجب شراكاتها. لقد أخذت الجمعيات من لبنان منصة للعمل الخارجي لأن السفارات الرسمية كانت قد تحولت إلى أداة لترويج أجندات حزبية ضيقة. وبذلك، كشفت تجربة “العلم والخبر” عن مأساة الدولة؛ حيث اضطر السياسيون لاستخدام المجتمع المدني كأداة للصراع في معركة وجودية. لقد كانت محاولة لترميم النسيج الوطني عبر ربط المناطق بالخارج اقتصادياً، لكنها انتهت بدرسٍ قاسٍ: حين تتقدم الأجندات الحزبية وتُغيب الكفاءات لصالح “أدوات الولاء”، فإن النتيجة حتماً هي العزلة. لقد ضاعت المصلحة الوطنية في صراع مصالح لا يقيم وزناً إلا لـ “كمش قلب الإدارة”، وفي هذا الصراع، يبقى للحديث تتمة.

عن Rita Chahwan

ريتا بولس شهوان، صحافية وباحثة ساهمت في عدد من الكتب منها "الكويت وإرادة الاستقلال في الوثائق العثمانية" و "ماذا فعل مدحت باشا في الخليج"(ذات السلاسل) وعملت في عدد من الصحف والمواقع الالكترونية العربية. تلقت تدريبات دولية على الاستقصاء وتخصصت في الاستقصاء الاجتماعي – الاقتصادي كما تولي اهمية كبيرة للشأن السياسي.

شاهد أيضاً

الأخبار»: هندسة «الغيريّة» واختراق الحصون الأكاديمية

في وقتٍ يبدو فيه الانقسام اللبناني أفقياً، يأتي العدد 5891 من جريدة «الأخبار» ليعكس محاولة …