جوزف سماحة : خطاب قيصري في زمن حربي

السفير – 2002 – وليام كريستول رجل سعيد هذه الأيام. فلقد قيض لهذا المفكر المحافظ، القادم من اليسار الأميركي، رئيس شديد المحافظة يتبنى أفكاره ويعرضها في خطاب <<حال الاتحاد>>. حسم جورج بوش خياره لصالح مدرسة في التفكير يمثلها كريستول تدعو الى أقصى التدخل في شؤون العالم، ومغادرة النزعة الانعزالية، وتحمل المسؤوليات التي يمليها الموقع الامبراطوري. ان صياغة العالم هي مهمة اميركية يفترض القيام بها من غير عقد ومن دون خوف الاتهام بالامبريالية.
ألقى بوش خطاباً قيصرياً في زمن حربي. لا بل في زمن مفصلي بين معركة انتهت وحرب على وشك ان تبدأ. وحدد، بذلك، وجهة لسياسة بلاده الخارجية تحسم، حتى الان على الأقل، مع تردد التسعينات والارتباك في تحديد الاولويات (توسيع التجارة الحرة، حقوق الانسان، أسلحة الدمار الشامل، احتواء روسيا..). واذا كان سقوط الاتحاد السوفياتي حرم الولايات المتحدة من خصم تتماسك السياسة الخارجية حياله فان الرئيس الاميركي اقدم، وهذا طبيعي، على تعريف العدو من دون تسمية الحلفاء وكأن لا خيار لهم الا الالتحاق حتى لا يتصرف منفرداً وينقل <<العدالة>> الى حيث يريد.
لا مبرر، أمام الخطاب، لقياس درجة ذكاء الناطق به. فهي معروفة. ثم ان الرجل في موقع القرار ويحظى، فوق ذلك، بدعم ملحوظ من مواطنيه في هذه القضايا. تأسيساً على ذلك لا ضرورة للتوقف عند <<التناقضات>> والمبالغات لأن النقاش، اذا اقتصر على ذلك، لا يفيد. وتقضي الحقيقة القول ان بوش حدد اعداءه انطلاقاً من شطحات تكاد تكون هزلية لولا انها صادرة عنه.
تحدث عن عشرات الآلاف من الارهابيين المنتشرين في العالم مثل قنابل موقوتة. استعرض مواد عثر عليها في افغانستان ليلمح الى انها تشير الى اهداف عسكرية على وشك ان تضرب. حذر من دول تملك اشد الاسلحة فتكاً وتعرّض <<العالم المتحضر لأخطار لا سابق لها>>. اعتبر ان الزمن يلعب في غير صالح اميركا لذا لا مجال للتشاور المعمق، ولا للانتظار. قرر ان المبادرة افضل والحروب الوقائية واجبة. اقدم على زيادة غير مسبوقة في ميزانية الدفاع. دعا الى استنفار امني داخلي. اخترع حلفاً اسماه <<محور الشر>> بعد ان بات مصطلح <<الدول المارقة>> قاصراً.
لا شيء يكشف هذه المبالغات الهلوسات سوى ان بوش، عندما تحدث عن ثمن الحرب، قدم العزاء لأرملة الاميركي الوحيد الذي سقط بنار افغانية. وهو، اذ اشار الى انجازات ما بعد 11 ايلول، من دحر <<القاعدة>> الى كسب ولاء حامد قرضاي، فانه لم يتوقف كثيراً عند البدل المتواضع الذي دفعته بلاده والذي يجعلها، فعلا، في موقع عصي على تهديدات حفنة من المغامرين.
سارع الناطق باسم البيت الابيض الى توضيح كلام الرئيس عن <<محور الشر>>، غير ان هذا التوضيح لا يلغي ان بوش اقدم على مقارنة يستطيع اي تلميذ ابتدائي في مادة التاريخ ان يدحضها. هل كوريا الشمالية الجائعة هي فعلا مثل اليابان عشية الحرب العالمية الثانية وأثنائها مع ما يعنيه ذلك من عشرات ملايين القتلى الاسيويين تحت الاسم الخلاب: منطقة الازدهار المشترك؟ هل العراق الذي انهكته الحروب والحصار مثل المانيا النازية (بوش الاب هو صاحب معادلة صدام ? هتلر) التي اجتاحت قسماً كبيراً من اوروبا في ايام؟ هل ورثت ايران ايطاليا موسوليني طالما ان الحديث دائر عن <<الفاشية الاسلامية>>؟ (اعلن صديق بوش رئيس الوزراء الايطالي سيلفيو بيرلوسكوني ان مندوبه للمفاوضات الخاصة بإصلاح المؤسسات الأوروبية هو جيانغرانكو فيني <<الوريث الشرعي>> للتيار الفاشي المتجدد في ايطاليا).
الأهم مما تقدم هو ان العلاقات بين هذه الدول تختلف جذرياً عن تلك التي كانت موجودة بين برلين وروما وطوكيو. تضع كوريا جانباً وهي التي لم يعرف عنها تشجيع الارهاب ذي البعد الدولي، والتي اوقفت برنامجها الصاروخي، والتي يتضور شعبها جوعاً، نضعها جانباً للحديث عن ايران والعراق.
نحن، هنا، امام دولتين خاضتا حرباً دامية شجعتهما عليها واشنطن لإنهاكهما. ثم كان في التسعينات ان مارست الولايات المتحدة سياسة <<الاحتواء المزدوج>> حيالهما. وكان محسوماً ان الاساس في نجاح هذه السياسة هو عجز طهران وبغداد عن اي تلاق. لا بل تصرفت كل عاصمة وكأنها طرف في احتواء العاصمة الاخرى. ولا زال الوضع قائماً حتى الان برغم خطوات متواضعة نحو التطبيع. ومع ذلك فان بوش يرى <<محوراً>> يتوجب شن الهجوم عليه.
اثار الخطاب ضجة في العالم، وفي اميركا نفسها. وبدا للكثيرين ان نشوة الانتصار السهل في افغانستان قد تقود الى اغراء الاستخدام السهل للقوة، والى اعتقاد بوش بأنه حصل على <<رخصة صيد غير محدودة ولا محددة>>. ان هذه الضجة، في حدودها الحالية، غير قادرة على كبح القوة العظمى الوحيدة ولا على جعلها تكتشف ان العالم اكثر تعقيداً من هذا الهذيان التبسيطي الذي يقول ان الحرب عقوبة من لا يشارك الولايات المتحدة قيمها. ان حديث القيم، في هذا المجال، اكثر شفافية من ان يستر اهداف الوجهة الجديدة: اقتناص الفرصة لإملاء الشروط وصياغة العلاقات الدولية من منظور امبراطوري يجمع في آن معاً قدراً من التدخلية الفظة وقدرا من المحافظة التي تركت، في قلعة جانغي ثم في غوانتانامو، وجهها الانساني.
ان خير ترجمة لهذه الوجهة هو ما قاله ارييل شارون عن ياسر عرفات: سنعود لنقبله شريكاً عندما ينفذ طلباتنا كلها! هل هذه شراكة ام لها اسم آخر؟(السفير اللبنانية)

عن Rita Chahwan

ريتا بولس شهوان، صحافية وباحثة ساهمت في عدد من الكتب منها "الكويت وإرادة الاستقلال في الوثائق العثمانية" و "ماذا فعل مدحت باشا في الخليج"(ذات السلاسل) وعملت في عدد من الصحف والمواقع الالكترونية العربية. تلقت تدريبات دولية على الاستقصاء وتخصصت في الاستقصاء الاجتماعي – الاقتصادي كما تولي اهمية كبيرة للشأن السياسي.

شاهد أيضاً

الأخبار»: هندسة «الغيريّة» واختراق الحصون الأكاديمية

في وقتٍ يبدو فيه الانقسام اللبناني أفقياً، يأتي العدد 5891 من جريدة «الأخبار» ليعكس محاولة …