قراءة في عملية الغدر بمنسق القوات اللبنانية في جبيل باسكال سليمان

عضو مجلس حزب الكتلة الوطنية اللبنانية

إن تصوير عملية الإغتيال الصريحة والواضحة على شكل سرقة سيارة هو إهانة لذكاء الشعب اللبناني وأصبحت مصدرًا للتهكم على وسائل التواصل الإجتماعي من الصغير قبل الكبير… أما الحقيقة فهي في الوقائع الميدانية التالية:

١) إن سرقة سيارة اودي رباعية الدفع Q7 قديمة الطراز لا تستأهل دخول السارقين المجال الحيوي لمنطقة وسط جبيل الشمالي والتي تبعد ٢٠ كلم عن مركز القضاء وأكثر من ١٠٠ كلم من مقر قيادة السارقين المفترضين، فهذا الطراز موجود منه وبكثرة في جميع المناطق التي تم المرور بها من قبل اللصوص. أما احتفاظهم بالجثة وعبور الحدود بها فهذا أمر لا يفهمه عاقل من قبل عصابة لسرقة السيارات.

٢) إن طلبه بعدم قتله عند حدوث الإختطاف حسب ما أدلى من كان يتكلم معه هاتفيًا، يُلغي أية إمكانية لعملية مقاومة من قبله أمام قوة تفوق قدرته ومسلحين مستعدين لاستعمال سلاحهم حسب ما شعر مباشرة وكان شعوره مع الأسف محقًا، وهذا يناقض تمامًا ما أدلى به القتلة… أما جرأته الكبيرة فكانت عندما قال إن لديه أولاد، فهو عكس ما تعتقد أغلبية الناس أنها كانت لحظة ضعف بل كانت لحظة قوة وأبوة، خاف على حياة أولاده بغيابه لا على حياته.

٣) أما مقايضته من أجل فدية مالية أو من خلال الإشارة الى عمله وإمكانية تورطه في أعمال مالية مشبوهة سقطت بفعل عملية القتل التي لا تُستعمل في هكذا حالات لأنها تنتفي من أجلها الحجة التي خُطف من أجلها…

٤) إذًا لا تبقى إلا فرضية مركزه السياسي والتي هي الفرضية المنطقية الوحيدة المتبقية والتي باستطاعة أي مراقب موضوعي للأحداث وضعها في خانة عمليات تصفية لمسؤولين قواتيين بدأت منذ فترة طويلة بدءًا من رمزي عيراني في بيروت والياس الحصروني في منطقة عين إبل وهي وصلت اليوم الى منطقة جبيل والى إبنها باسكال سليمان…

إن عملية الرصد والتتبع واختيار مكان الخطف بعيدًا عن أعين الكاميرات ومعرفة جميع مفاصل الطرق والقدرة الإحترافية في مواكبة عملية الإختطاف من قبل سيارات عدة والوقاحة والجرأة في الإقدام على اعتراض سيارة باسكال في وضح النهار وفي منطقة بعيدة كل البعد عن بيئة المنفذين، يُظهر بما لا يقبل الشك إننا امام عملية أمنية معقدة ومدعومة إستطاع فيها الخاطفون عبور مئات الكيلومترات لكي يعبروا الحدود ذهابًا وايابًا بدءًا من مناطق يجهلوها ومن دون أي خوف من أي اعتراض من الجهات الأمنية.

ببساطة هذه ليست عصابة لسرقة السيارات، هذا تكتيك عمليات لفرق كوماندوس عسكرية تأسر جنودًا في أراض غير صديقة وتعود بالأسير حيًا أو ميتًا الى أراض تسيطر عليها… السؤال الذي يطرحه الجميع ما أهداف العملية؟

الأكيد أن الهدف الحقيقي لا تملكه إلا الجهة الخاطفة المخططة والتي على ما يبدو ارتجلت النتائج بعدما لعبت صدفة الإتصال الهاتفي لعبتها وكشفت ما حصل لباسكال، وإلا لا نزال حتى يومنا هذا نجهل مصيره إلا من خلال كاميرات مراقبة تظهر سيارات تلاحق سيارات لا أكثر ولا أقل…

١) أول أهداف هذه العملية والتي هزت المجتمع اللبناني عامة والمجتمع الجبيلي خاصة هو فتنة بين المسيحيين القواتيين والنازحين السوريين، تضع المسيحي القواتي المتألم من اغتيال باسكال أمام حالة إنتقامية من الجهة التي أرادوا لها أن تكون كبش فداء وأعني هنا السوريين…

أضف على ذلك، تصفيته تعني سيطرة رواية من قتله على تفاصيل هذه القضية وعلى التعمية عن حقيقة من وراء عملية الخطف والتي بالتأكيد علم أجزاء كبيرة منها باسكال خلال حصولها وفي الثواني الأولى بعدما رأى عيون وأسلحة قتلة لا لصوص سيارات.

٢) الهدف الأساس الثاني هو فك لحمة وتعاضد اللبنانيين بما خص المواضيع الوطنية المشتركة وأهمها موضوع السلاح غير الشرعي، وتصوير الفتنة بين مسلمين ومسيحيين، فيتوحد المسلمون ضد المسيحيين خوفًا من ردات الفعل العنيفة والعمياء بعد عملية الإغتيال وعطفًا على من يتعرض للتعنيف، وهكذا ينسى شارع الطائفة السنية الكريمة من وراء عملية إغتيال الحريري ويعودون للوحدة الإسلامية، فحزب السلاح بعدما ابتعد عنه حليفه المسيحي “التيار الوطني الحر” لم يعد لديه حل آخر إلا بالوحدة الإسلامية لكي لا يجد نفسه وحيدًا مع سلاحه في الساحة اللبنانية من دون حلفاء لهم ثقل شعبي، خصوصًا خلال حرب لا يريدها إلا هو وإيران، ويكون بذلك قد عوّض خسارة الحليف المسيحي من اللبنانيين وأمّن على الأقل تغطية شعبية مذهبية كان قد فقدها منذ اغتيال الرئيس رفيق الحريري…

٣) دفع الشارع المسيحي نحو مزيد من التطرف والتقوقع ومن المطالبة بالتقسيم، وعوضًا أن يكون حزب القوات وجمهوره مع بقية الأحزاب السيادية يطالب بموضوع وطني كبير أي لبنان خال من السلاح غير الشرعي، يبدأ الجمهور المعني بالمطالبة بمواضيع فئوية أي بالتقسيم وبالأمن الذاتي غير آبهين بالمناطق اللبنانية الباقية، بقي فيها سلاح أو لم يبقى، وهكذا تتحول القوات من حزب لبناني على مساحة وطن الى حزب طائفي فئوي على بقعة صغيرة من وطن، وبذلك تخسر القوات اللبنانية في أية إنتخابات قادمة أصوات المسلمين في المناطق المختلطة والتي كانت رافدًا مهمًا لجعلها أكبر كتلة نيابية في المجلس النيابي.

لبنان كله اليوم باسكال سليمان كما كان قبلاً، لبنان كله لقمان سليم، مواطنين لبنانيين سياديين من جميع الطوائف مسيحيين ومسلمين مُستهدفين من أجل ضرب فكرة لبنان الواحد الجامع…

إن الرد الأمثل على عملية الإغتيال هو دعوة للتوحد كلبنانيين ضد السلاح المتفلت غير اللبناني وغير الشرعي، لا تنفيذ مآرب المخططين والإبتعاد عن الشريك في الوطن…

فلنتذكر جميعًا خطاب الدعوة الى الوحدة الذي كان ينادي به العميد ريمون إدّه إبان حرب الـ٧٥، فالمؤمن لا يُلدغ من الجحر مرتين ونحن نؤمن أن الوحدة الوطنية هي السبيل للخلاص من السلاح منذ عام ١٩٧٥ وحتى يومنا هذا… هذا يجب أن يكون خطاب كل لبناني مسيحي يتألم من عملية الإغتيال، فالوحدة علاج للألم والدعوة الى التقسيم بتر للأعضاء من دون مخدر والأخطر من دون إيقاف للنزيف… ومنظر الشوارع الخالية في مدينة جبيل ليلة عيد الفطر أكبر دليل على المستقبل الذي ينتظر لبنان إن نجح مخطط زارعي الفتن…

لبنان سيبقى لجميع أبناءه واحدًا موحدًا للمسلمين والمسيحيين، نحتفل سوية ونتألم سوية والأهم نعيش سوية. هكذا أراده باسكال وكل من سبقه على طريق الشهادة وهكذا سيبقى…

شاهد أيضاً

الأخبار»: هندسة «الغيريّة» واختراق الحصون الأكاديمية

في وقتٍ يبدو فيه الانقسام اللبناني أفقياً، يأتي العدد 5891 من جريدة «الأخبار» ليعكس محاولة …