العالم يخسر مباراته ضد الجوع

جوزف سماحة 2002 – السفير

لم يكن مناسباً عقد قمة مكافحة الجوع في زمن المونديال. ليس لأن الاهتمام بها سيكون قليلاً فحسب بل تدفع إلى مقارنات تخدش الذوق السليم. فصور اللاعبين توحي بصحة تنعقد القمة من أجل استعادة البعض منها لمئات ملايين البشر. والثمن التقريبي للاعبين أنفسهم (4 مليارات دولار) يكفي لإطعام ملايين الجوعى لسنة كاملة. واقتصاد المونديال، مأخوذاً بأوجهه كلها، يفوق بما لا يقاس ما دعت الفاو إلى رصده، حتى العام 2015، من أجل إنقاص عدد الجائعين من 800 إلى 400 مليون. ثم قد يخطر في بال أحد أن يقيم حساباً بسيطاً فيخلص إلى النتيجة التالية: في خلال مباراة واحدة في كرة القدم يموت جوعاً حوالى 1350 إنساناً!
كانت قمة الفاو على موعد مع التوقعات السيئة. قاطعها معظم زعماء الدول الغنية ما عدا المضيف الإيطالي وصديقه الإسباني. ودارت اجتماعات في قاعات فارغة. ووصفها مسؤولون بأنها مضيعة للوقت. وطرحت تساؤلات عن الجدوى من القمم التي شرعت الأمم المتحدة في عقدها. وصدرت احتجاجات عديدة من المنظمات غير الحكومية على مجرى المداولات وعلى التوصيات <<المدمرة، والتي تزيد الوضع خطورة>>.
ولعل مدى الاهتمام بهذا الاجتماع يتجلى في اختصاره ساعتين لتمكين سيلفيو بيرلوسكوني من متابعة مباراة إيطاليا المكسيك. فالرجل لا يستطيع تجاهل كرة القدم وهي التي لعبت دوراً، عبر نادي ميلانو، في إيصاله إلى حيث هو، وهي التي أمّنت له، عبر روابط المشجعين، الصيغة التي تحولت إلى الحزب الأول في إيطاليا.
بيرلوسكوني نفسه كان خاطب القمة قائلاً <<إن الجوع مشكلة تضاهي مشكلة الإرهاب>> و<<ان الجائع ليس حراً>>. وكشف بذلك عن خلفية التفكير المتحكمة بالمزاج الدولي هذه الأيام. فهذا التفكير يساوي بين الآفة التي تضرب مئات الملايين وبين الإرهاب متناسياً أن الثاني هو، إلى حد ما، من نتائج الأولى. كما أن هذا التفكير يستند إلى فلسفة تقول أن الخطر الذي يواجهه الجائع هو فقدان الحرية لا… الحياة!
استعاد الاجتماع أطروحات قمة 96 من دون أن يرفق ذلك بأي خطة ملموسة. وبما أن تجربة السنوات الماضية أمثولة في الفشل، فلا شيء يوحي بنجاحات أكثر. فالدول الغنية تكاد تكون عديمة الاهتمام بمشكلة الفقر في العالم. لا بل تعتمد سياسات تزيد من تفاقمها. فهي تستثني زراعات العالم الثالث من التحرير المتمادي للتبادل الدولي. وتنفق ما لا يقل عن 310 مليارات دولار لدعم زراعاتها وجعلها أكثر تنافسية. وهي ترفع الحواجز الجمركية في وجه صادرات الدول الفقيرة (الزراعية والنسيجية) بما يفوق ضعف المساعدات الإجمالية المقدمة إلى هذه الدول. ومع أن الأرقام تقول ان زيادة صادرات العالم الثالث بنسبة 5 في المئة فقط تؤمن دخلاً سنوياً يوازي سبعة أضعاف المساعدات الغربية فإن هذه الزيادة تصطدم بعراقيل لا حصر لها وهي عراقيل سيزيدها القرار الأميركي الأخير بزيادة 70 في المئة على دعم الزراعة المحلية، أي على دعم الاحتكارات الجبارة في هذا القطاع.
مرت قمة الفاو بصمت. لن يذكر أحد أنها طالبت بعشرة في المئة من اقتصاد المونديال لإنقاذ ما يقل قليلاً عن مليار إنسان.

عن Rita Chahwan

ريتا بولس شهوان، صحافية وباحثة ساهمت في عدد من الكتب منها "الكويت وإرادة الاستقلال في الوثائق العثمانية" و "ماذا فعل مدحت باشا في الخليج"(ذات السلاسل) وعملت في عدد من الصحف والمواقع الالكترونية العربية. تلقت تدريبات دولية على الاستقصاء وتخصصت في الاستقصاء الاجتماعي – الاقتصادي كما تولي اهمية كبيرة للشأن السياسي.

شاهد أيضاً

الأخبار»: هندسة «الغيريّة» واختراق الحصون الأكاديمية

في وقتٍ يبدو فيه الانقسام اللبناني أفقياً، يأتي العدد 5891 من جريدة «الأخبار» ليعكس محاولة …