في معترك الحياة: عندما يكون الخصمُ تهميشَ المرأة نفسها

لطالما آمنتُ بأن السياسة هي ساحةٌ للخدمة العامة، منبرٌ للتغيير الإيجابي، ومساحةٌ تتلاقى فيها الأفكار لبناء مستقبل أفضل. دخلتُ هذا المعترك بعزمٍ وإيمانٍ راسخٍ بدور المرأة الفاعل في المجتمع، لم اكن ادرك انها مهمشة، واعتقدت بعفوية كحساباتي اللا محسوبة انها قادرة على إحداث فرق حقيقي. لكن التجربة، كما هي دائمًا، علّمتني دروسًا قاسية، وواجهتُ فيها خصومًا لم أتخيل وجودهم، خصومًا لا يؤمنون بأبسط حقوق الإنسان، بل يتخذون من تهميش نصف المجتمع – النساء – غايتَهم وهدفَهم. اقله النساء اللواتي لا تطاوعهم في المطامع. (بالمناسبة، غسان سعود: اريد كل هاتفك وكل هواتف طواقم الاخبار، اقصد الارقام)

 السياسة ليست انتخابات فقط، ولا مركز، بل وجود المراة في الحياة (عامة، اجتماعية، خاصة مع رجل لديه مكانة مرموقة في المجتم)   منافسة رجلٍ ذي نفوذٍ واسع، ينتمي لحزبٍ او طرف يُضمر العداء لمشاركة المرأة في الحياة  (اشدد على حياة) امر مضني.  لن تكون منافسةً شريفةً قائمة على الأفكار والبرامج في لبنان هذا امر محسوم، بل ستكون حربًا شعواء تستخدم فيها كل أساليب الإضعاف (dis-empowerment   المصطلح الادق في الإنجليزية ولكن بالترجمة الى العربية هناك تفريعات محددة خارج اطر العمل السياسي) والتهميش (قد يصل الى ابعد من مجرد موجود، ممكن تصل الى حقوق جنسية ويمكن التثقف بذلك على منصة رصيف 22  ومتابعة قسم #مش_عل_هامش) .  هذا الصنف من العالم لا يكتف بمهاجمة برنامج النتخابي، بل سيشنّ حملةً ممنهجةً لتشويه السمعة، مستغلًا كل فرصةٍ لنزع ثقة الناس بالامراة، لمجرد أنها امرأة. وقد يصل الى عنوانك، ذاك المنزل الذي كبرت به، ويدقق بكل خريطة السكن، وخريطة العائلة، واستعمال السئ في المحيط (دعارة مخدرات) وتحويل ذلك ضدك، وابسط من يمتلك شعور غيرة طفولية الى سكين في ظهرك.

استخدم الخصم في كل ما في جعبته من وسائل قذرة امر متاح في هذه الدنيا، دنيا لبنان، حيث لا يوجد سند للمراة والحياة صعبة، وسيتختلف وضعها ان كانت عزباء، ارملة، يتيمة عن صغر او كبر: الإشاعات المغرضة، الافتراءات الباطلة (مخدرات  – دعارة – خيانة شخصية في الحياة الشخصية – عدم الأمانة على رعاية الأطفال – الجنون (لا يوجد جنون في الطب النفسي) ، والاستغلال الرخيص للعادات والتقاليد لتكريس صورة نمطية سلبية عن المرأة في السياسة. التجريد من القوة سيكون متاحاً بسبب انتشار هذه الثقافة وثقافة “غائية” من الأطراف الذين يمارسون السياسية والشان العام في لبنان، من خلال حملات تشهيرٍ منظمةٍ على وسائل التواصل الاجتماعي، سلب علاقات عامة واستهداف تلك العلاقات اسم اسم، ولن يهم كيف وصلوا الى داتا الهاتف، لابعادهم عنك وكسبهم في صفهم ومنعك من التواصل معهم، ونشر أكاذيبَ تهدف إلى إخضاع وإرغام على الانسحاب من “الحياة”، بعد استبعادك وتجيير مكتسبات اجتماعية وإنسانية ومهنية على حسابك واتخاذ قرارات عنك حتى في ابسط المسائل لسبب بسيط: منافسك يعتبر نفسه مالكك ولديه القدرة في التحكم بك عنده.الهدف واضحًا: الاقصاء وان تحولت الى جريمة قتل اسمها جريمة موضوعية ان كانت المراة ناشطة في السياسة او الشأن العام ان كانت ناشطة في الجمعيات سيكون الوضع مختلف سيكون العمل مضني  له ليحضر الأرضية للجمعيات بعد ان يخلق صراعات ليستعمل الصراعات لتتحول تلك الى سهم ضدك ، ليس لأنك لا تصلح للمنصب، مهما كان المنصب بل لأنك امرأة.، والا لم يستخدم اقذر الأمور حتى الشخصية لتصبح مرهوبا من جريمة “شخصية”، او حتى استعمال عناصر من حياتك الشخصية من خريطتك لتكتشف انه أوقع بفرد من من تلك السلسة الطويلة من محيطة ، بتهمة تخبئة “حزب الله”.

الأمر ليس مجرد منافسة سياسية، بل كان محاولةً لسلب المرأة حقها في المشاركة، وتقييد دورها في المجتمع.عبر المجتمع نفسه لتبتعد. انه  استبعادًا ممنهج يهدف إلى ترسيخ فكرة أن مكان المرأة ليس في قيادة دوائر صنع القرار، بل في المنزل فقط.، وهناك اقناع الجميع انك انت في الأساس “استبعدتهم” وفي الواقع انت كنت تعيش حياتك، وانهم يجب ان ياخذوا ثرواتك، وهي مكتسبات عمرها سنين وسنين، لها علاقة بالكفاءة.

سيحاول خصمك يا امراة، ومن يقف خلفه من قوى الظلام، حرمانك من التمكين وتمكين مجتمعك كي لا يتحول المجتمع سكينا في ظهرك، وان مكنه سيكون التمكين على شكل سكين بعد ان يرسمك صورة “المستبعدة” لهم وفي الواقع بعد ان ادركت ما يحصل حاولت ان تجدي مساحتك الخاصة، ومنعك من الوصول إلى الموارد والفرص المتاحة التي كانت من المكتسبات. أرادوا أن يثبتوا للجميع انك تستحقين “الغرفة” التي رميت نفسك بها، لا تملك القدرة على القيادة، وأن وجودك في الحياة هو الخروجٌ عن المألوف.

لم الاستسلام! انت، نعم أنت! لم الاستسلام! اما رايت ان تصل المراة السعودية والاماراتية والبحرينية ؟  واجهي تلك الهجمة الشرسة بكل قوةٍ وثبات، مدعومةً بإيماني بحقك في المشاركة في المجتمع والحياة ، وبثقة الناس بك وبنفسك ومعرفتك بماذا تفعلين، ومكانتهم في الحياة ودورهم. انت نعم انت! التي تشعرين انك وحيدة. ضعيفة. متروكة. بينك وبين الحياة مسافات. لا تمتلكين الا الصلاة. تمتلكين عزيزتي “الغناء” وصوت، وجسد مهما كان وزنه للتعبير.  ارفعي صوتك عالياً ضد كل أشكال التمييز والتهميش، واكشف أساليب خصمك القذرة للرأي العام. ل قبلك، معركتي لم تكن سهلة. عشت أيام اعتقدت ان حياتي عبارة عن “جيم، ومنزل ، وسوبرماركت وسوء تفاهمات من الأفضل استبدالها بزياد الرحباني على السمع” . الحياة قدمت لي خيارات مهمة، وسحبتها، او سحبها الخصم. فتحولت معركةً من أجل كل امرأةٍ تُحارب من أجل حقوقها الخروج عن قاعدة مسدودة قرر أي كان صناعة “الظروف” وانت تقبلها لانك لا تملك حتى ان تولع زر المكيف.

قساوة انك تواجه منظومة متكاملة من الظلم على مر  20 عاما من كل أنواع العنف،  زادتني إصرارًا على مواصلة النضال في البداية لم يخطر لي ان النضال الا ضد سوريا وايران وانقلب الى حق المراة في العمل في السياسة. أيقنتُ أن الطريق نحو التغيير محفوفٌ بالتحديات، وأن مواجهة قوى التهميش تتطلب صبرًا ومثابرةً. ولكنني متفائلة، فمع كل صوتٍ يُرفع ضد الظلم، ومع كل خطوةٍ تُتخذ نحو المساواة، نقترب أكثر من بناء مجتمعٍ ديمقراطيّ حقيقيّ، مجتمعٍ تُشارك فيه المرأة بفاعليةٍ في صنع القرار، وتُسهم في بناء مستقبلٍ أفضل للجميع.

https://www.instagram.com/reel/DCenbssO0L4/?utm_source=ig_web_copy_link&igsh=MzRlODBiNWFlZA==

شكرا لمن ساندني في كل هذه السنوات. وشكرا لمن قال لي يوما : الموضوع ليس انت. صحيح ليس انا. ليست “ترفيه” او “رويا” او LALA  او “OMEROS  او كل الأسماء المستعارة التي تعرفها او لا تعرفها. الموضوع انني انسان. حارب بكل قواه. الموضوع هو غياب نظام حماية اجتماعية للمراة. هو منظومة اليتم. هو غياب حماية لذوي الإعاقة والحاجات الخاصة. هو غياب ضمان الشيخوخة ونهاية الخدمة. هو غياب نظام ضمان صحي. هو النظام الاقتصادي غير النظامي الذي تقع المراة في فخه. الموضوع هو سياسات غير عادلة. هو الدولة الهشة. هو العائلة المفككة. هو العائلات السياسية والأحزاب. هو الجمعيات التي تتقاتل على التمويل، في ظل منظومة لا تعرف ان الجمعية بديل عن الدولة لان الدولة غائبة. هي أحزاب متخلفة لا تقدر تعب جمعيات تحل محل الدولة وتبحث عن هفوات، الجمعية نفسها لا تعرف بها. ولا انت تعرف بها. لان هناك نظام عالمي معتمد. الموضوع. هو ان المال ليس كل شيء. الموضوع ان الإنسانية تضمر الشر. الموضوع. الصحة النفسية التي يجب ان تنظم ولا تعود الى تصرفات الاتحاد السوفيتي او سلوكيات القرون الوسطى. الموضوع كل الموضوع. الانسان.

عن Rita Chahwan

ريتا بولس شهوان، صحافية وباحثة ساهمت في عدد من الكتب منها "الكويت وإرادة الاستقلال في الوثائق العثمانية" و "ماذا فعل مدحت باشا في الخليج"(ذات السلاسل) وعملت في عدد من الصحف والمواقع الالكترونية العربية. تلقت تدريبات دولية على الاستقصاء وتخصصت في الاستقصاء الاجتماعي – الاقتصادي كما تولي اهمية كبيرة للشأن السياسي.

شاهد أيضاً

الأخبار»: هندسة «الغيريّة» واختراق الحصون الأكاديمية

في وقتٍ يبدو فيه الانقسام اللبناني أفقياً، يأتي العدد 5891 من جريدة «الأخبار» ليعكس محاولة …