“ديمقراطية التهميش” – أعظم ابتكار سياسي على الإطلاق!

في عالم “ديمقراطية التهميش”، الجميع يُدعى إلى الطاولة، لكنك تجد نفسك جالسًا على كرسي بلا ظهر، في زاوية مظلمة من الغرفة، بعيدًا عن النقاش الحقيقي. إنها الديمقراطية التي تحتفي بمشاركة الجميع نظريًا، بشرط ألا يسمع أحد صوتك أو يأخذ رأيك بجدية.

هنا، تُمنح الحق في الكلام، لكن لا أحد يملك الوقت للاستماع. تُوزَّع الفرص بالتساوي – للجميع، باستثناء من لا يحملون أوراق اعتماد من نادي النخبة. تُعلن الاجتماعات مفتوحة للجميع، لكن الدعوة تصل دائمًا بعد انتهاء التصويت.

في هذه الديمقراطية، الحرية متاحة للجميع، لكن لا تخرج عن النص المعد مسبقًا! وإذا تجرأت على طلب دور حقيقي، يتم إلقاؤك في “لجنة الاستماع المستقبلية”، والتي تبدأ اجتماعاتها عادةً بعد نهاية العالم.

أما عن الانتخابات، فهي تُجرى بشفافية مذهلة: يُسمح لك باختيار أي لون من القائمة، بشرط أن يكون نفس اللون الذي اختاروه مسبقًا. الجميع فائزون، لكن الجوائز دائمًا على رف بعيد المنال.

باختصار، “ديمقراطية التهميش” هي النظام الذي يذكرك كل يوم أن لك دورًا مهمًا… وهو أن تبقى خارج المسرح، تشاهد التصفيق الحار بينما الآخرون يؤدون أدوارهم الرئيسية في مسرحية “الحرية للجميع”.

أليس ذلك عبقرية؟!

… وبعد، تصبح حياتك مجرد سلسلة لا نهائية من الفواتير التي لم تطلبها. فقط لانك ولدت. فتدفع ثمن اسم العائلة، عن عائلة لا تعرف اي طرف فيها. وتدفع ثمن افخاذ العائلة. لانك تتنفس وكان لك كيان لانك ولدت من رحم انسان. حتى لو لم يكن لاحد فضل عليك. وتصبح مجبرا ان تدفع لانك لم تقتل. فحين تُبنى بعيدًا عن “متناول الجميع”، تجد أن الجميع فجأة لديهم حق عليك: حق في قرارك، حق في صمتك، وحق حتى في أوجاعك. كأنك وُلدت في عالمٍ حيث لحظة صرختك الأولى كانت عقدًا ضمنيًا بأنك ستظل تدفع ثمن الهواء الذي تتنفسه حتى آخر نفس.

في “ديمقراطية التهميش”، وزارة الداخلية ليست مجرد مؤسسة أمنية؛ إنها راوية قصتك غير المرغوبة. تحرص على منعك من رفع دعوى ضد من يقرر إهداءك “نشوة بالقوة”، لأنك لست فقط طرفًا في معادلة عبثية، بل أنت *منتَج* خالص من منتجات نظام يبتكر التعاسة بمهارة.

وحين تنتهي من الاعتراض الصامت، تتحول الوزارة إلى مذيع أخبار مشغول بتزييف الحقائق، فتصبح قصتك قصة جماعية مملة عن “مواطن متمرد يريد إرباك النظام”. يُعرض وجهك في تقارير مزيفة، مع عناوين ضخمة مثل: *”مشتبه فيه بمحاولة استعادة كرامته!”*

وفي النهاية، تموت، لكنك لا تُدفن. لا، هم بحاجة إلى استثمار جثتك في نشرات الأخبار كرمز تحذيري لكل من يجرؤ على تخطي حدود التهميش. وحتى في موتك، تظل جزءًا من سلالة أُجبرت على البقاء في الظل… لأن الأضواء دائمًا ملك لمن يقرر الظلم بوقاحة تحت عنوان “الديمقراطية”.

… وبعد!

عن Rita Chahwan

ريتا بولس شهوان، صحافية وباحثة ساهمت في عدد من الكتب منها "الكويت وإرادة الاستقلال في الوثائق العثمانية" و "ماذا فعل مدحت باشا في الخليج"(ذات السلاسل) وعملت في عدد من الصحف والمواقع الالكترونية العربية. تلقت تدريبات دولية على الاستقصاء وتخصصت في الاستقصاء الاجتماعي – الاقتصادي كما تولي اهمية كبيرة للشأن السياسي.

شاهد أيضاً

الأخبار»: هندسة «الغيريّة» واختراق الحصون الأكاديمية

في وقتٍ يبدو فيه الانقسام اللبناني أفقياً، يأتي العدد 5891 من جريدة «الأخبار» ليعكس محاولة …