لبنان بين الطائفية والمدنية: رحلة نعيم قاسم من المصيطبة إلى الإيديولوجيا الإقليمية

بدايةً:

يا له من طيفٍ عذبٍ يلامس روحي كلما ذكرتُ تلك الأيام.. أيامٌ كان فيها الفكرُ المدنيّ منارةً، من منزل رياض الأسد، شامخاً في سماءِ دستورنا، قبل أن يُغَشّاهُ ضبابُ التعصّب، ويُصبح الدينُ، في بعض الأحيان، أكبرَ منه. أيامٌ كنا نستلهمُ فيها روحَ رياض الصلح، زعيمَ الاستقلال، ونستذكرُ نضالهُ من أجلِ وطنٍ تسودهُ العدالةُ والمساواة. صورةُ ليلى الصلح ورياض الأسعد، وهما يحملانِ مشعلَ هذا الإرثِ النضاليّ، لا تُفارقُ خيالي. هكذا كبرت من مقاعد الدراسة التي زارها رياض وكان عمري 11 عاما،، يومها سالته، بعد ان نظمت لقاءا معلمة التربية الوطنية، والدة البير كوستانيان، الاقتصادي الشهير، تستضيفه به، سالت رياض، الذي هو صديق عمر، عن فكرة الوجود السوري، بالنسبة لرجل كرياض الصلح، من التاريخ. اعجب بي. فكيف لابنة 11 عاما ان تتجرا لهذا الطرح. كانت والدة البير فخورة بي دائما، تلك الطفلة الناشطة في صف التربية الوطنية التي تسال عن تاريخ لبنان.

كأنّ الأمسَ كان قبلَ لحظات! قرر رياض الاستمرار بطاولة تحي تلك العلاقة على مدى 3 سنوات في منزله تجمع كل علمانيي لبنان، وانا عموما اصبحت منهم بفضل روحيته التي زرعها بي عبر رياض الصلح. أتذكّرُ ذلك الكتابَ القيّمَ عن رياض الصلح، الذي هداني اياه.  كلُّ صفحةٍ فيه تُنبضُ بتاريخِ لبنانَ وتُروي حكايةَ رجلٍ كرّسَ حياتَهُ من أجلِ وطنه. موقعُ “الخبر”، قبل ستةَ عشرَ عاماً، كانَ لنا فيه ذكرى لا تُنسى، قال لي رياض: هذا كتاب من صناعة احمد بيضون! خذيه لتتذكر يايام المدرسة دائما! كتابٌ مُوقّعٌ من قِبَلِ أحمد بيضون نفسه، هديةٌ ثمينةٌ فازت بها مديرةُ التحرير، تلك الفتاةُ الصغيرةُ آنذاك، بعدَ أنْ أبهرت الجميعَ بمعرفتها الواسعةِ عن رياض الصلح في امتحانٍ مدرسيّ. يا لها من لحظاتٍ محفورةٍ في ذاكرتي، تُعيدُ إليّ عبقَ الماضي، وتُذكّرني بأيامٍ جميلةٍ ولّت، وبرجلٍ عظيمٍ اسمهُ رياض الصلح. اضئ على رياض الصلح مع اضاءة زياد عيتاني على صائب سلام. ريتا

عنوان : لبنان بين الطائفية والمدنية: رحلة نعيم قاسم من المصيطبة إلى الإيديولوجيا الإقليمية

في قراءة تأملية لمسار الشخصيات المؤثرة في منطقة المصيطبة في بيروت، يبرز الشيخ نعيم قاسم كرمز لتأثير الدين في السياسة والمجتمع اللبناني عبر العقود. ويظهر ذلك جليا في موقع أساس الذي يديره زياد عيتاني في مقال ” متى يعود نعيم قاسم الى المصيطبة”، وغريب هذه الإضاءة على نعيم قاسم وشخصيات متشددة دينية وترشح “ايديولوجيات” واوهام، وأنظمة رمزية تثقل عقول الأجيال الصاعدة. ويركز عيتاني، الذي يكتب في عكاظ السعودية، على حلقة لتحفيظ القرآن للأطفال في زاوية مسجد المصيطبة إلى صفوف كشاف المهدي، فتتبلور ملامح شخصية تحولت من داعية اجتماعي إلى أحد الأعمدة السياسية في حزب الله. تجدر الإشارة ان مالك الموقع نهاد المشنوق، وهو من الذين عرقلوا الزواج المدني في لبنان ولعرقلوا أيضا لو أراد ان يكون داعية “العصمة” في يد المراة ونستشف ذلك من خلال سلوكه مع العاملات الاجنبيات أيامه اذ شهد لبنان ارتفاع في نسب مذكرات الاخضاع.  فتخيل هوس السيطرة.

  التحول من المصيطبة إلى السياسة

المصيطبة، تلك المنطقة البيروتية التي احتضنت تنوعاً سياسياً ودينياً في الستينيات والسبعينيات، كانت محطة البداية للشيخ قاسم. لم يحن الوقت كي يعود الخبر الى نبش أصول المدنية في لبنان وتحوله الى هذا النظام الأيديولوجي المتشدد، وكانت مديرة التحرير خاضت معركة طاحنة مع حزب الله حوله. هناك، كان “أستاذ الحلقة”، يعلم الأطفال القرآن ويلقي كلمات التوجيه الديني. عند هذا الحد، كانت الأمور لتكون تحت سقف مقبول اجتماعيا يناسب ثقافة لبنان، من وحي موسى الصدر وفضل الله . هذه البيئة التربوية البسيطة كانت تعكس نموذجًا من التعايش المدني، حيث يختلط الدين بالحياة اليومية دون أن يتحول إلى أداة سياسية مباشرة.

لكن النقلة النوعية حدثت مع انتقاله إلى “النبعة”، حيث تأثر بفكر الإمام محمد حسين فضل الله وأصبح جزءاً من مشروع سياسي يرتبط برؤية إقليمية واسعة، متخطياً الإطار المحلي إلى الدور الذي يلعبه الآن كنائب الأمين العام لحزب الله. وبعد فضل الله، غاص بالايديولوجيا الإيرانية!  وهنا اختلاف جذري بين الاثنان، لو انطلقا من مدرسة دينية وحدة. وذلك بفعل العوامل الاجتماعية والسياسية المتفاعلة في نفسه.

 بين الدين والمدنية

يعكس مسار الشيخ قاسم التحولات التي شهدها لبنان من دولة تستند إلى الفكر المدني والدستوري في مرحلة الاستقلال بقيادة رياض الصلح إلى زمن أصبح فيه الدين أحد أبرز محركات السياسة. المصيبة التي تواجه لبنان اليوم، كما يرى العديد، تكمن في استغلال الدين لتأجيج الصراعات الطائفية على حساب القيم المدنية والديمقراطية التي أُسست عليها الجمهورية، ويظهر جليا العودة التي يعودها عيتاني دائما الى رجال مرحلة الحرب الاهلية كصائب سلام وتلك مرحلة تحتاج الى دراسة عميقة، عكس مرحلة رياض الصلح المقبولة سياسياً.

  أسئلة المستقبل

يبقى السؤال قائماً: هل يمكن لشخصيات مثل نعيم قاسم أن تعود إلى أدوارها الأصلية كدعاة اجتماعيين يسعون للوحدة الوطنية؟ أم أن التورط في السياسة والأدوار الإقليمية يجعل العودة إلى جذور المدنية أمراً مستحيلاً؟

هذا التحدي يتجاوز شخص قاسم ليعكس حالة عامة في لبنان، حيث تتشابك الروايات التاريخية المختلفة بين الوطنية والطائفية، ليبقى لبنان عالقاً بين ماضيه وإشكاليات حاضره.

إن إشكالية لبنان تتمحور حول تناقضات الهوية الوطنية الممزقة بين الطائفية والليبرالية، وتخليه تدريجيا عن ما كتب في مرحلة الاستقلال وبعدها اتفاق الطائف، وبين التأثر الإقليمي والدولة المدنية. على الرغم من الدور التاريخي لصائب سلام ورموز الاستقلال، فإن بعض الأدوار السياسية أدت إلى تأجيج التوترات الطائفية، وخاصة مع التركيز على قضية فلسطين دون قراءة عميقة لانعكاساتها على الداخل اللبناني. هذا أدى إلى تكرار الأزمات، وكان أحد جذور الحرب الأهلية اللبنانية. فبين تأسيس لبنان وبين اتفاق الطائف، أشلاء ذكريات تخص المجتمع البيروتي، المتارجح في ايديولوجيات لا تنتهي.

فحتى تيار المستقبل، الذي أسسه رفيق الحريري في مرحلة لاحقة، حاول استيعاب الأرضية التاريخية ودمجها في إطار سياسي جديد، لكنه واجه صعوبات في ترسيخ ليبرالية حقيقية وسط انقسامات دينية وطائفية. هذه البيئة السياسية كانت مهيأة لاستغلال الدين كأداة تعبئة، ما أدى إلى تهميش الفكر المدني المنصوص عليه في الدستور اللبناني.

تاريخ لبنان ليس مجرد سرد للأحداث بل هو انعكاس للتحديات المستمرة في كتابته. بين محاولات تسليط الضوء على رموز مثل رياض الصلح، وبين تغلغل الفكر الطائفي الذي يعيد إنتاج نفسه عبر مناهج تعليمية وأطر سياسية، يكمن صراع أجيال على الهوية الوطنية. في ظل هذه الظروف، ينشأ جيل جديد تُغرَس فيه ثقافة الشهادة والسلاح، كما يظهر في الأنشطة المرتبطة بكشاف المهدي، مما يعزز سيطرة أطراف بعينها على وعي الشباب.

إن معالجة هذه القضايا تستلزم قراءة نقدية للتاريخ اللبناني، بعيدًا عن التمجيد أو التشويه، بهدف بناء رؤية متوازنة تعيد الاعتبار للقيم المدنية والديمقراطية. يبقى التحدي الأكبر هو كسر حلقة الطائفية والانطلاق نحو نموذج وطني جامع يحفظ التنوع اللبناني دون أن يكون على حساب وحدته.

…وهذا يقودنا إلى فهم أعمق لأحد أوجه المأساة اللبنانية، حيث تمزّق الطائفية النسيج الوطني وتسيطر الأجندات الدينية على الثقافة السياسية والتعليمية. في هذا السياق، تصبح كتابة التاريخ تحديًا بالغ الأهمية، إذ يواجه المؤرخون مهمة دقيقة لتسليط الضوء على فصول التاريخ التي توضح أزمات لبنان وتناقضاته، دون أن تكرّس الروايات الطائفية التي تعمّق الانقسامات.

نعيم قاسم، كما وصف زياد عيتاني، يمثل نموذجًا لهذا التداخل بين الدين والسياسة، حيث يتم نقل أفكار أيديولوجية واضحة إلى الأجيال الناشئة من خلال المناهج المدرسية والأنشطة الشبابية مثل كشاف المهدي. هذا النهج لا يهدف فقط إلى التأثير على فكر الأجيال الجديدة، بل يرسخ ثقافة الاستشهاد والتضحية المسلحة كجزء من الهوية.

إن هذا الاتجاه يكشف خللًا كبيرًا في النظام التعليمي اللبناني، الذي يسمح بتسريب برامج ذات طابع أيديولوجي إلى مؤسساته، مستبدلًا مبادئ التربية المدنية والاعتراف بالتنوع بقيم تكرّس الطائفية والاستقطاب. النتيجة هي مجتمع يُنشأ على أسس تضيق بالمواطنة الجامعة وتوسع الشرخ بين مكوناته.

ولعل الأخطر في ذلك هو الأثر العميق الذي يتركه هذا المنهج على النسيج الاجتماعي، حيث يصبح الشباب أداة لخدمة مشاريع سياسية خارجية بدلاً من أن يكونوا ركائز بناء الدولة المدنية. ويبقى السؤال الأهم: كيف يمكن للبنان أن يعيد صياغة هويته الوطنية بطريقة تستعيد روح رياض الصلح وغيره من رواد الاستقلال، مع ضمان أن تُترجم هذه الهوية إلى واقع يعزز الوحدة والحداثة بدلًا من الانقسام والتراجع؟

هذه المهمة تتطلب إرادة سياسية شجاعة وقاعدة اجتماعية تدرك أن المستقبل يبدأ من مدارس تُعلّم القيم المدنية والتعددية، لا السلاح والإقصاء. فكيف يريده ان يعود عيتاني؟ هل تناسبه مرحلة جيله لزياد كي يخيف جيلنا بظل الحرب الفلسطينية مع كل تفاعلات القضية مع تاريخنا الحديث.

عن Rita Chahwan

ريتا بولس شهوان، صحافية وباحثة ساهمت في عدد من الكتب منها "الكويت وإرادة الاستقلال في الوثائق العثمانية" و "ماذا فعل مدحت باشا في الخليج"(ذات السلاسل) وعملت في عدد من الصحف والمواقع الالكترونية العربية. تلقت تدريبات دولية على الاستقصاء وتخصصت في الاستقصاء الاجتماعي – الاقتصادي كما تولي اهمية كبيرة للشأن السياسي.

شاهد أيضاً

الأخبار»: هندسة «الغيريّة» واختراق الحصون الأكاديمية

في وقتٍ يبدو فيه الانقسام اللبناني أفقياً، يأتي العدد 5891 من جريدة «الأخبار» ليعكس محاولة …