كبتاغون في فرن مناقيش: تجارة الموت تُموّل الإرهاب وتُعقّد السياسة في لبنان

كبتاغون في فرن مناقيش! صورة صادمة تُلخّص الواقع المُعقّد الذي يعيشه لبنان. هذا الاكتشاف لمكتب مكافحة المخدرات المركزي، اليوم بعد إحباطه عملية تهريب كمية كبيرة من حبوب الكبتاغون، ليس مجرد خبر عابر، بل هو نافذةٌ على عالمٍ مُظلمٍ تتداخل فيه الأنشطة الإرهابية مع الجريمة المنظمة. فكما وُجدت حبوب الكبتاغون مُخبأةً في مكانٍ غير متوقع، كذلك تتغلغل هذه الشبكات الإجرامية في نسيج المجتمع، مُستترةً خلف واجهات مُضلّلة.

 تُصبح تجارة الكبتاغون، وغيرها من الأنشطة غير المشروعة (دعارة – مخدرات – قمار غير شرعي)، أداةً لتمويل الإرهاب، ووسيلةً لتحقيق مكاسب سياسية واقتصادية على حساب أمن لبنان واستقراره. وهنا تكمن الخطورة، فالتداخل بين هذه الأنشطة يُعقّد المشهد، ويُصعّب من مهمة التفريق بين الأهداف السياسية والاقتصادية والإجرامية، ويُحوّل لبنان إلى ساحةٍ مفتوحةٍ لصراع المصالح الجيوسياسية الإقليمية والدولية. إنّ فهم هذا التداخل،هو الخطوة الأولى نحو مُكافحة هذه الظاهرة الخطيرة، واستعادة أمن لبنان وحماية مُستقبله. ويكشف عن نظام معقد تتحرك فيه هذه الشبكات تحت مظلة المصالح المشتركة، مما يُصعّب التمييز بين الأهداف السياسية والاقتصادية والإجرامية.

دور الجريمة المنظمة في تمويل الإرهاب

الجماعات الإرهابية في لبنان، مثل بعض التنظيمات المسلحة، تعتمد على تجارة الكبتاغون كمصدرٍ رئيسيٍ للعملة الصعبة. حزب الله، على سبيل المثال، لا يقتصر تمويله على الدعم الإيراني أو الاقتصاد النقدي الممول بالسبائك الذهبية، بل يستفيد من أنشطة غير قانونية كتهريب المخدرات. هذا التنوع في مصادر التمويل يجعل من الصعب فصل النشاط السياسي عن الاقتصادي.

الأنظمة والجماعات التي تنخرط في هذه الأنشطة غالبًا ما تتجنب ربط أعمالها الإجرامية بالانتماء السياسي المعلن، وهو ما يساهم في تقليل المخاطر ورفع مستوى التمويه. يشير ذلك إلى قدرة بعض الجهات على الاستفادة من الفرص الاقتصادية التي تتيحها الأسواق غير القانونية دون إثارة الشكوك حول انخراطها المباشر.

قوانين مثل “جاستا” تُلقي بثقلها على هذه الأنظمة. “جاستا” (العدالة ضد رعاة الإرهاب) قانون أمريكي يُحمّل الدول والمنظمات مسؤولية دعم الإرهاب، مما يضع الأنظمة أمام خيار صعب بين استمرار التورط أو تحمل العقوبات القاسية. كما تسهم العقوبات الأمريكية في محاولة تعطيل شبكات التمويل غير المشروع، وهو ما يُعتبر وسيلة ضغط رئيسية على هذه الأنظمة.

تحليل هذه الظاهرة يتطلب وعيًا عميقًا بالتشابكات المعقدة بين المستويات المحلية والدولية. التركيز على الأبعاد المحلية فقط قد يُغرق المحلل في تفاصيل سطحية ويُقلل من فهم البنية الأوسع التي تربط بين الجريمة المنظمة والسياسة الدولية.

هذا النظام المعقد يكشف عن كيفية استغلال بعض الجماعات السياسية للجريمة المنظمة لتوسيع نفوذها وضمان مصادر تمويل مستدامة، مما يجعل من مواجهة هذه الظاهرة تحديًا أمنيًا وسياسيًا على المستوى الإقليمي والدولي.

في إطار الجهود الحثيثة التي تبذلها قوى الأمن الداخلي في لبنان لمكافحة تهريب المخدرات والحد من نشاط الشبكات المتورطة في هذا المجال، نجحت وحدة الشرطة القضائية، من خلال خطة مدروسة، في إحباط عملية تهريب كبيرة كانت تستهدف تصدير شحنة مخدرات إلى قبرص عبر فرن مناقيش.

تعكس هذه العملية استمرار تطوير المهربين لوسائل مبتكرة لتصدير المخدرات، مستغلين أدوات وأغراضًا عادية لإخفاء المواد الممنوعة. وتؤكد الجهود التي تبذلها الأجهزة الأمنية اللبنانية على تصميمها في مواجهة هذه الجرائم التي تشكل تهديدًا مباشرًا للأمن الوطني والإقليمي.

تقدير نسب الناتج المحلي والقومي الناتج عن تجارة الكبتاغون والمخدرات في لبنان يتسم بالتحديات بسبب غياب البيانات الرسمية والدقة في الإحصائيات نتيجة لعدم شفافية الأنشطة غير القانونية. ومع ذلك، بعض المصادر تشير إلى أن الاقتصاد غير الرسمي، بما في ذلك تجارة المخدرات، يشكل جزءًا كبيرًا من الاقتصاد اللبناني:


يُعد لبنان ثالث أكبر منتج للحشيش عالميًا، بينما يُعتبر الكبتاغون منتجًا محوريًا يتم تهريبه بكميات كبيرة إلى دول الخليج وأوروبا. تشير تقارير إلى محاولة تهريب ما يزيد عن 600 مليون حبة كبتاغون من لبنان بين عامي 2015 و2021، ما يعكس حجم الصناعة وتأثيرها الاقتصادي. هذا القطاع يُدار من قبل شبكات معقدة تضم تجار مخدرات ومجموعات مسلحة، مما يعزز دوره كأحد مصادر الدخل الرئيسية لبعض المناطق مثل البقاع، التي تُعتبر مركزًا لهذه الأنشطة

يشكل انتشار تجارة المخدرات تهديدًا مباشرًا على النظام الاجتماعي والقانوني في لبنان. ضعف الرقابة، إلى جانب الظروف الاقتصادية والسياسية المتدهورة، سمح لهذه الصناعة بالنمو. بالإضافة إلى ذلك، تُستخدم أرباح تجارة الكبتاغون لدعم أنشطة أخرى، بما في ذلك تمويل جماعات مسلحة وإبقاء بعض المناطق خارج سيطرة الدولة​.  وهنا يتداخل أمن الدولة بالسياسة الدفاعية، وتحديدات مفهوم الإرهاب، ان كان النشاط الذي فجر أسلحة حزب الله بين المنازل، ممول من الجريمة المنظمة، والتفجير لا يعد إرهابا، فما هو الإرهاب؟

عن Rita Chahwan

ريتا بولس شهوان، صحافية وباحثة ساهمت في عدد من الكتب منها "الكويت وإرادة الاستقلال في الوثائق العثمانية" و "ماذا فعل مدحت باشا في الخليج"(ذات السلاسل) وعملت في عدد من الصحف والمواقع الالكترونية العربية. تلقت تدريبات دولية على الاستقصاء وتخصصت في الاستقصاء الاجتماعي – الاقتصادي كما تولي اهمية كبيرة للشأن السياسي.

شاهد أيضاً

من المخدرات إلى الأصول الرقمية: النيابة العامة التمييزية تعيد هندسة الأمن المالي اللبناني

لم تعد معركة مكافحة تبييض الأموال في لبنان مجرد ملاحقات قضائية تقليدية، بل تحولت إلى …