الأيديولوجيات القومية وعائق حل الدولتين: تأثير البعث والحزب القومي السوري الاجتماعي في مسار القضية الفلسطينية

 لا يمكن الحديث عن حلّ الدولتين للقضية الفلسطينية بِمعزلٍ عن التحولاتِ الإقليميةِ والأيديولوجياتِ السائدةِ، فوجودُ أحزابٍ قوميةٍ مثلِ حزبِ البعثِ والحزبِ القوميِّ السوريِّ الاجتماعيِّ في الشرقِ الأوسطِ يُشكّلُ عائقاً كبيراً أمامَ أيِّ حلٍّ سلميٍّ يُعترفُ بِوجودِ الدولةِ الإسرائيلية. فالفكرُ البعثيُّ، بِوجهٍ خاص، يُعتبرُ وجودَ الدولةِ الإسرائيلية مُخالِفاً لِلمبادئِ القوميةِ العربية، ويُرفضُ بشكلٍ قاطع، مُشيراً إلى ضرورةِ إزالتهِ من الوجود. هذا الفكرُ المُتَجذّر، والذي لهُ تاريخٌ طويلٌ من التأثيرِ في السياسةِ العربية، يُعقّدُ مسارَ أيِّ مفاوضاتٍ سلميةٍ مع إسرائيل.

ويرجعُ جزءٌ مُهمٌّ من هذا الرفضِ إلى التاريخِ المُعقّدِ للعلاقاتِ بينَ العالمِ العربيِّ وإسرائيل، والذي تَخلّلَهُ الصراعُ العسكريّ والأيديولوجيّ منذُ تأسيسِ الدولةِ الإسرائيلية. فقد شهدتْ هذهِ العلاقاتِ مراحلٍ من التوتّرِ والعدوان، تخلّلتها محاولاتٍ لِلتّسويةِ لم تُكلّلْ بالنجاحِ إلّا في حالاتٍ نادرةٍ، وغالباً ما كانَ ذلك بِسببِ التغييراتِ في المُعادلاتِ الإقليميةِ والدولية. وقد أثّرَ هذا الصراعُ بشكلٍ عميقٍ على الشعورِ القوميِّ العربيِّ، مُساهماً في تَشكيلِ أيديولوجياتٍ معاديةٍ لإسرائيل، كَالفكرِ البعثيِّ الذي يرى فيها كياناً غاصباً يُجبُ إزالته.

وإضافةً إلى الفكرِ البعثيِّ، تُشكّلُ أيديولوجياتٌ قوميةٌ أُخرى، كالفكر القومي السوري الاجتماعي، عائقاً آخرَ يُعقّدُ مسارَ حلّ الدولتين. فهذهِ الأيديولوجياتُ، رغم اختلافِ بعضِ تفاصيلِها، تتشاركُ في الرؤيةِ القوميةِ التي تُعارضُ وجودَ إسرائيل، وتُشيرُ إلى أنَّ أيَّ حلٍّ يُعترفُ بِه يُمثّلُ تخلّياً عن الحقوقِ الفلسطينية. وقد ترجمتْ هذهِ الأيديولوجياتُ مواقفها إلى أفعالٍ، من خلالِ دعمِ الحركاتِ المُسلحةِ الفلسطينيةِ، والتّحريضِ ضدَّ إسرائيل، والتّشكيكِ في أيِّ مُحاوَلَةٍ لِلتّسويةِ السلميةِ.

ومعَ ذلك، لا يُمكنُ تجاهُلُ التطوّراتِ الحاصلةِ في المنطقة، فالتغيراتُ الجذريةُ في المُعادلاتِ السياسيةِ والعسكرية وحتى الاقتصادية قد تُؤثّرُ بشكلٍ كبيرٍ على مُستقبلِ القضية الفلسطينية. وقد يُساعدُ ذلك على تَغيّرِ المواقفِ وإعادةِ التّفكيرِ في حلولٍ جديدة، أو على الأقلّ فتحِ مجالٍ للمُفاوضاتِ والحوار. ولكن، طالما بقيَتْ هذهِ الأيديولوجياتُ القوميةُ المُتَجذّرةُ في الوعيِ العربيّ، وبقيت إسرائيل تُمثّلُ موضوعاً لِلصراعِ الأيديولوجي أكثرَ من كَونِها كياناً سياسياً، فإنّ حلَّ الدولتين، كما هو مُتَعارفٌ عليهِ اليوم، سيبقى حلماً صعباً التحقيق. فالتاريخُ يُخبرُنا أنّ الحلولَ السلميةَ لا تُبنى على أُسُسِ العداوةِ والرفضِ، بل على أساسِ التّفاهمِ والاحترامِ المُتَبادَل. فهل يُمكنُ تَحقيقُ هذا التّفاهمِ في ظلِّ هذهِ الأيديولوجيات؟ هذا سؤالٌ يُثيرُ جدلاً واسعاً.

عن Rita Chahwan

ريتا بولس شهوان، صحافية وباحثة ساهمت في عدد من الكتب منها "الكويت وإرادة الاستقلال في الوثائق العثمانية" و "ماذا فعل مدحت باشا في الخليج"(ذات السلاسل) وعملت في عدد من الصحف والمواقع الالكترونية العربية. تلقت تدريبات دولية على الاستقصاء وتخصصت في الاستقصاء الاجتماعي – الاقتصادي كما تولي اهمية كبيرة للشأن السياسي.

شاهد أيضاً

الأخبار»: هندسة «الغيريّة» واختراق الحصون الأكاديمية

في وقتٍ يبدو فيه الانقسام اللبناني أفقياً، يأتي العدد 5891 من جريدة «الأخبار» ليعكس محاولة …