حل المسألة الفلسطينية: تفكيك الفكر القومي السوري الاجتماعي والبعثي كضرورة أساسية

تُعد القضية الفلسطينية من أعقد القضايا الجغرافية والسياسية في العصر الحديث، حيث تتشابك فيها المصالح الوطنية، والهويات الثقافية، والنزاعات الدينية. في قلب هذا الصراع، يلعب الفكر القومي السوري الاجتماعي والبعثي دورًا جوهريًا في صياغة المواقف والخطابات التي تغذي التوترات وتعقّد الحلول. هذا الفكر، الذي يُعادي الوجود اليهودي العالمي ويصفه بـ”السرطاني”، يضع الأساس لمعادلة تقسيمية خطيرة: ساحة حرب ضد “العدو الصهيوني” وساحة مقاومة ضد امتداداته العالمية. هذه المعادلة لا تكتفي بنزع الصفة الإنسانية عن اليهود فقط، بل تهدد مفهوم الإنسانية الجامعة.

. وقد أكد سعادة مرارًا وتكرارًا رفضه القاطع لفكرة إنشاء دولة لليهود على أرض فلسطين، معتبرًا أن هذا المشروع سيؤدي إلى صراعات ومواجهات تهدد استقرار المنطقة.

سعادة يرى أن اليهود، كمجموعة دينية، لا يمكنهم تشكيل أمة بالمعنى الحقيقي للكلمة، وأن محاولتهم لإقامة دولة خاصة بهم (اينما كان) ستكون مصدراً للمشاكل والتوترات. وفي هذا السياق، يقول سعادة:

“لا نعترض على فكرة تأليف أمة إسرائيلية من يهود العالم، لأن اعتراضنا يكون إذ ذاك من قبيل المداخلة في شؤون لا تعنينا. وإذا كان في إمكان اليهود أن يؤلفوا أمة واحدة فليفعلوا، ولكننا نرى من باب الشعور مع اليهود أن ننصحهم بالعدول عن هذه المسألة لأنها مسألة ليس من ورائها إلا تعب ووجع رأس، لأن الأمة لا معنى لها إذا لم يكن لها بلاد تمارس فيها معتقداتها وأفكارها.”

من هذا المنطلق، يشدد سعادة على أن إقامة دولة يهودية في أي مكان، وخاصة في فلسطين، سيواجه بمعارضة شديدة من الشعوب الأصلية في تلك المناطق. فهو يؤمن بأن الوطن هو حق للأمة التي نشأت وتطورت فيه، وأن أي محاولة لاقتطاع جزء منه لصالح مجموعة دخيلة ستقابل بالمقاومة.

ويضيف سعادة أن الصراع مع الحركة الصهيونية ليس مجرد صراع على الأرض، بل هو صراع وجودي يتعلق بالهوية والثقافة والمستقبل. لذلك، يؤكد أنه سيعارض هذا المشروع بكل الوسائل الممكنة، وأنه سيحارب اليهود إذا حاولوا الاستيلاء على أراضي ليست له.

أنطون سعادة يعارض فكرة إقامة دولة لليهود لأسباب متعددة “المفهوم القومي: سعادة يرى أن الأمة تتكون من مجموعة من البشر الذين يجمعهم تاريخ مشترك، وثقافة، ولغة، وأرض يعيشون عليها. وبما أن اليهود مشتتون في مختلف أنحاء العالم ولا يجمعهم وطن واحد، فإنه يشكك في قدرتهم على تشكيل أمة حقيقية”.

بناءً على ما سبق، سعادة يعلن أنه سيحارب اليهود “أينما حلوا” إذا حاولوا إقامة دولة على حساب أراضي الشعوب الأخرى. هو يرى أن هذا الموقف ليس تعصبًا ضد اليهود كديانة، بل هو دفاع عن الحق والعدل وسيادة الأمم على أراضيها.

الجذور الأيديولوجية للصراع

ينطلق الفكر القومي السوري الاجتماعي من رؤية تعتبر أن الانتشار العالمي لليهودية هو “وجود سرطاني”، كما يتجلى في العديد من خطابات أنطون سعاده. يقول:

“إن الصراع بيننا وبين اليهود لا يمكن أن يكون فقط في فلسطين بل في كلّ مكان حيث يوجد يهود قد باعوا هذا الوطن وهذه الأمّة بفضّة من اليهود… إن لنا في الحرب سياسة واحدة هي سياسة القتال.”

هذا الخطاب يُعمّم عداءً شاملًا على اليهود، بغض النظر عن موقعهم أو دورهم الفعلي، مما يحوّل القضية الفلسطينية من صراع على الحقوق والأرض إلى معركة أيديولوجية شاملة. يتضمن هذا التصريح خطاب كراهية واضح، حيث يُصوّر جميع اليهود كخونة وبائعين للوطن، مما يُسهم في تعزيز الصور النمطية السلبية والتحريض على العنف ضدهم.

في رسالة سعاده إلى غسان تويني حول موقف البابا من التوراة، يُظهر هذا النهج بوضوح عندما يعارض تقديس التوراة لما يراه من أبعاد سياسية فيها:

“سعاده لا يريد أن يتناول الدوافع والمرامي الدينية البحتة التي ينطوي عليها حث البابا المؤمنين الكاثوليك على العودة إلى قراءة التوراة وتقديسها، بل أراد فقط تناول الوجهة السياسية المتضمنة في ‘تقديس’ التوراة وخصوصياتها اليهودية.”

هنا، يُعبّر سعاده عن رفضه لتقديس النصوص الدينية اليهودية، معتبرًا أنها تحمل أبعادًا سياسية تهدد القومية السورية “المتخيلة” فتتحول الفكرة بمواجهة الواقع!  هذا الموقف يُعزّز التوتر الديني والثقافي، ويمهّد لتبرير العداء ليس فقط تجاه الدولة الإسرائيلية، بل تجاه الديانة اليهودية نفسها، مما يتناقض مع مبادئ التسامح الديني والاحترام المتبادل…. فتتحول الامور من نقاش فكري، الى نقاش ايديولوجي مسلح الغائي. مما يفتح السؤال حول كيفية الانتقال الى وطن عربي مسالم، وهناك نشر لهذا الفكر، اكان بشقه القومي او شقه البعثي؟

تفكيك الخطاب: ساحة حرب وساحة مقاومة

الخطاب القومي السوري الاجتماعي والبعثي يُحوّل الأرض إلى ساحة حرب دائمة. على سبيل المثال، يدعو سعاده إلى محو دولة إسرائيل:

“إن محق الدولة الجديدة المصطنعة هو عملية نعرف جيدًا مداها. إنها عملية صراع طويل شاق عنيف يتطلب كلّ ذرة من ذرات قوانا.”

هذا التصريح يدعو صراحةً إلى العنف وإلغاء دولة قائمة، مما يُعزّز خطاب الكراهية والتحريض على الحرب. بدلاً من البحث عن حلول سلمية أو تفاوضية، يتم التركيز على الصراع المسلح كوسيلة وحيدة للتعامل مع المشكلة، مما يُعيق أي جهود للسلام والتعايش.

ويُضيف:

“إن اليد التي تمتد لتوقّع الصلح مع اليهود تقطع من العنق.”

هذا التعبير يحمل تهديدًا مباشرًا بالعنف ضد أي شخص يسعى للسلام مع إسرائيل. إنه يُجرّم محاولات المصالحة ويُروّج للعنف كأداة شرعية لتحقيق الأهداف السياسية، مما يُفاقم من حدة الصراع ويُبعد فرص الحل السلمي. النتائج؟ نزع الصفة الإنسانية؟

من خلال وصف الوجود اليهودي بـ”السرطان” واعتبار الدولة الإسرائيلية كيانًا غير شرعي يجب استئصاله، يُنزَع البُعد الإنساني عن الصراع. تُعامل الجماعات البشرية كـ”عدو مطلق” لا يمكن التفاهم معه، بل يجب محوه. هذا المنهج يتناقض مع القيم الإنسانية والأخلاقية التي تدعو إلى احترام حقوق الإنسان والتعايش السلمي.

في السياق الأكاديمي، تُشير الدراسات إلى أن نزع الصفة الإنسانية عن الآخر يُعد من أخطر أشكال خطاب الكراهية، حيث يُبرر العنف والإقصاء. مثل هذه الخطابات تُساهم في تصعيد النزاعات وتُعيق عمليات السلام والمصالحة.

التناقض مع الفكر العلماني الفرنسي المتسامح

يتناقض هذا الخطاب مع الفكر العلماني الفرنسي المتسامح الذي يُشجّع على الاعتراف بالتعددية الدينية والثقافية، واحترام حقوق الإنسان، وفصل الدين عن السياسة. في فرنسا، تُعتبر حرية الاعتقاد والتعبير من الحقوق الأساسية، ويتم التعامل مع القضايا الدينية بحياد واحترام.

بينما يدعو الفكر القومي السوري الاجتماعي إلى رفض الآخر بناءً على هويته الدينية، ويُحمّل ديانة بأكملها مسؤولية سياسية، مما يتعارض مع مبادئ العلمانية التي تفصل بين الانتماء الديني والهوية الوطنية. الفكر العلماني الفرنسي يُعزز قيم التسامح والتعايش، ويرى في التنوع الثقافي والديني إثراءً للمجتمع.

الطريق إلى الحل: تفكيك الفكر القومي المتطرف

لحل المسألة الفلسطينية، يجب التخلص من هذه الرؤى الأيديولوجية التي تُعمّق الانقسام وتُعيق أي حوار بناء. تفكيك الفكر القومي السوري الاجتماعي والبعثي يتطلب:

  1. تجاوز الخطابات التحريضية التي تضع اليهودية العالمية في مواجهة مباشرة مع القومية العربية، والعمل على تفكيك الصور النمطية التي تُعزز الكراهية.

  2. إعادة إنسانية الصراع من خلال الاعتراف بحقوق الجميع، والابتعاد عن تشويه الطرف الآخر، وتبنّي مبادئ التسامح والاحترام المتبادل.

  3. تبنّي مقاربات سلمية تقوم على العدالة والاعتراف المتبادل بدلًا من العنف والتهديد، مستلهمين من التجارب العالمية في حل النزاعات، مثل النموذج الفرنسي في تعزيز المواطنة والتعايش السلمي.

الصراع الفلسطيني الإسرائيلي ليس مسألة أيديولوجية دينية بحتة، بل هو نزاع على حقوق وأرض وسيادة. استمراره مرتبط بخطابات قومية متطرفة تنزع الإنسانية عن الطرف الآخر وتحوّل الصراع إلى مواجهة شاملة. تفكيك الفكر القومي السوري الاجتماعي والبعثي، والابتعاد عن خطابات الكراهية والتحريض، هو خطوة أساسية نحو بناء خطاب أكثر إنسانية وشمولية، يفتح الباب أمام حلول عادلة ومستدامة.

إن الفكر العلماني المتسامح يُقدّم نموذجًا يمكن الاستفادة منه في تعزيز قيم التعايش والسلام، حيث يُعترف بالتعددية ويُفصل بين الدين والسياسة، مما يُسهم في خلق بيئة مناسبة للحوار والتفاهم.

بهذا التحليل، يتضح أن خطاب الكراهية والتحريض على العنف الموجود في بعض الأفكار القومية المتطرفة يُشكّل عقبة رئيسية أمام حل القضية الفلسطينية. تبنّي قيم التسامح والاعتراف المتبادل، كما في النموذج العلماني الفرنسي، يُمكن أن يُسهم في تخفيف حدة الصراع وفتح آفاق جديدة للحلول السلمية.

عن Rita Chahwan

ريتا بولس شهوان، صحافية وباحثة ساهمت في عدد من الكتب منها "الكويت وإرادة الاستقلال في الوثائق العثمانية" و "ماذا فعل مدحت باشا في الخليج"(ذات السلاسل) وعملت في عدد من الصحف والمواقع الالكترونية العربية. تلقت تدريبات دولية على الاستقصاء وتخصصت في الاستقصاء الاجتماعي – الاقتصادي كما تولي اهمية كبيرة للشأن السياسي.

شاهد أيضاً

الأخبار»: هندسة «الغيريّة» واختراق الحصون الأكاديمية

في وقتٍ يبدو فيه الانقسام اللبناني أفقياً، يأتي العدد 5891 من جريدة «الأخبار» ليعكس محاولة …