قصير وسعود: جدلٌ حول لبنان وسوريا والحوار مع الغرب.

 مع كل منعطف يمس جوهر سوريا أو يعيد تشكيل علاقة النظام السوري بلبنان، يعود دور سمير قصير إلى الواجهة كقلم شجاع سعى لفك شيفرات تلك العلاقة المتشابكة بين البلدين. في كتاباته، لم يكن قصير مجرد محلل سياسي، بل كان شاهدًا حيًا، سوريا لبنانيا فرنسيا، على مرحلة محورية شكلت مصير لبنان وسوريا معًا، ومساهمًا جريئًا في فضح تداخل الأنظمة وبنية الاستبداد التي تربطهما.

في كتبه يربط قصير بين الديناميكيات السياسية والثقافية للمدينة، محذرًا من أن النظام السوري لا يسعى فقط إلى فرض سيطرته على لبنان، بل أيضًا إلى إعادة تشكيل هويته الوطنية بما يتناسب مع أهدافه السلطوية. وفي مقالاته حول الاستبداد العربي، كتب قائلاً: “إن نظام دمشق لا يستطيع أن يستمر إلا من خلال إخضاع الآخرين، سواء داخل حدوده أو خارجها.” هذه الكلمات لم تكن مجرد تحليل سياسي، بل صرخة مقاومة ضد القمع وتأكيد على أن حرية لبنان لا يمكن فصلها عن نضال السوريين أنفسهم ضد الاستبداد.

وفي السياق ذاته، تتقاطع رؤية قصير مع بعض أفكار ميشال عفلق، مؤسس حزب البعث، الذي رأى أن النهضة العربية لا يمكن أن تتحقق إلا بتحرر الشعوب من الاستبداد، قائلاً: “إن الحرية هي البداية، وهي المنتهى.” ولكن على الرغم من ذلك، تحولت شعارات البعث، الخبيثة، إلى أدوات لتكريس القمع والهيمنة تحت مظلة القومية الزائفة، اي القومي السوري الاجتماعي، وهو ما فضحه قصير في كتاباته حين أشار إلى أن النظام السوري لم يكن سوى استعمال ممنهج وذكي لرؤية عفلق الأصلية، حيث استخدمت شعارات الوحدة والحرية لتبرير الهيمنة وقمع الحريات.

من خلال هذه الجدلية بين الفكر والنظام، يتضح أن قصير كان يعيد قراءة العلاقة اللبنانية السورية من منظور يرفض الخضوع لمعادلات القوة المفروضة، وينادي بحرية مزدوجة للشعبين، باعتبار أن مصيرهما مرتبط بتحررهما من الاستبداد، كما حلم بذلك المفكرون الكبار الذين رفضوا أن تكون الحرية مجرد شعار، بل نضالًا دائمًا.

قصير، الذي أدرك مبكرًا أن مصير البلدين متشابك بحكم الجغرافيا والسياسة والتاريخ، كان يرى أن لبنان لا يمكن أن يحقق استقلاله الحقيقي دون كسر قيود الهيمنة السورية التي تُمارَس عبر أدوات القمع والترهيب. هذه الرؤية جعلته هدفًا للنظام السوري، لكنها أيضًا جعلت منه رمزًا للحرية والفكر المستقل الذي لا ينحني أمام أي سلطة.

وفي سياق وثائقي حول سمير قصير، تبرز تصريحات غسان سعود بتوصيف مثير للجدل حول دوره ومواقفه، مُشيرًا إلى أن قصير قدَّم للغرب نظرة سطحية وغير متعمقة عن ثقافة حزب الله والمقاومة، مُكتفيًا بإرضاء توقعاتهم (الغرب) ومتطلباتهم الفكرية والسياسية. هذا الاتهام يفتح باب التساؤلات حول نوايا قصير ومصداقيته في تمثيل الواقع السياسي والاجتماعي اللبناني. الأكثر حدة هو وصف سعود بأن قصير عندما يتحدث عن الإسلام أمام الغرب، يضع نفسه في موقع المسيحي المتطرف، في تناقض صارخ مع صورته كمدافع عن القيم الليبرالية والانفتاح، بنظر سعود طبعاً. هكذا يثير سعود، بكره، نقاشًا حول طبيعة خطاب سمير قصير وتأثيره على صورة لبنان في الخارج، او بالأحرى صورة حزب الله والقومي السوري والبعث، وعمّا إذا كان حقًا يساهم في تعزيز الحوار بين الثقافات أم يُعيد إنتاج قوالب نمطية تُرضي جمهورًا غربيًا دون التعمق في الحقيقة، الحقيقة التي يريد او يعتقد سعود انها الحقيقة.

إن فكر غسان سعود ينطلق من رؤية أنطون سعادة الكارهة للغرب، تلك الرؤية التي ترى في الغرب قوة استعمارية تستهدف تدمير الهوية الثقافية والاجتماعية لشعوب المنطقة، وتُصور أي انفتاح على الغرب أو حوار معه كخيانة للذات القومية. سعادة، مؤسس الحزب السوري القومي الاجتماعي، لم يكن يخفي ازدراءه لما اعتبره هيمنة ثقافية غربية تسعى لطمس خصوصيات الشرق، حيث كتب: “إن الخطر الحقيقي على أمتنا ليس في ضعفها الداخلي فقط، بل في الغزو الثقافي والفكري الذي يمارسه الغرب عليها تحت شعارات التمدين والتحديث.”

غسان سعود يبدو متأثرًا بهذا النهج الفكري في هجومه على سمير قصير، حيث يتهمه بتقديم نسخة “مُعلبة” عن الواقع اللبناني والسوري إلى الغرب، تُرضي توقعاته المسبقة. وفقًا لسعود، فإن قصير كان يُظهر المقاومة الإسلامية وثقافتها بطريقة سطحية لا تخدم الواقع، بل تروج لصورة تناسب النظرة الغربية الاستشراقية (لا سعادة يعترف بالاستشراق ولا محمد مهدي شمس الدين) التي تختزل المقاومة في مفاهيم التطرف والخطر. هذا النقد يعكس رؤية سعادة، الذي كان يرى أن الغرب يتعامل مع الشرق بعقلية استغلالية، ويحاول فرض تصوراته الخاصة عن الحرية والتقدم عليه.

هكذا انطلق سعود، كمبشر امام الغرب من  كتب سعادة الذي يعتبر انه “لا يمكن أن يكون الغرب صديقًا حقيقيًا لشعوبنا، لأنه يرى فينا مجرد أدوات لخدمة مصالحه *

وبهذا سعود يعكس هذا الموقف في انتقاداته لقصير، متهمًا إياه بأنه كان “وسيطًا ثقافيًا” يخدم رؤية الغرب عن الشرق، بدلًا من تقديم الصورة الحقيقية للمقاومة والمجتمع اللبناني.

بالنسبة لسعادة، كانت الهوية القومية السورية، وهي نشات كمظلة اورثودكسية منذ أيام الانتداب، تحت اطار البعث،  هي السلاح الوحيد ضد الاستعمار والهيمنة. وفي هذا السياق، هاجم أي خطاب يسعى للاندماج أو التفاهم مع الغرب على حساب هذه الهوية. مما يعني حتما لا سعود قادر بهذه الأفكار الانطلاق الى أي تواصل مع الغرب. لذا حتى سعود، في اتهامه لقصير، يعبر عن موقف مماثل، حيث يرى أن الدفاع عن المقاومة والهويات المحلية يجب أن يكون بعيدًا عن “إرضاء” الغرب أو المساومة على المبادئ القومية. فهل يقترح نفسه محاورا مع الغرب، بدل قصير، وباي فكر؟ وأي منطلقات؟ في حين ان شركات إدارة التغيير غير قادرة على هذا التواصل.

  كان سعادة يهاجم الليبرالية الغربية باعتبارها أداة لزرع الفردية والتفكك في مجتمعات الشرق. وكتب: “الحرية الفردية في الغرب ليست سوى قناع يخفي استبدادًا جديدًا يُفرض على الأمم.” مع ذلك، سعود يبدو أنه يردد هذا الانتقاد حين يصف قصير بأنه يتبنى موقفًا “مسيحيًا متطرفًا” خلال حديثه عن الإسلام في الغرب، ما يعكس تصادمًا مع رؤية “الليبرالية” التي تميزت بها كتابات قصير.

غسان سعود، في تحليله لشخصية سمير قصير ودوره، ينطلق من خلفية فكرية متأثرة بفكر أنطون سعادة، الذي رفض أي انفتاح على الغرب واعتبره تهديدًا للهوية القومية. يرى سعود أن قصير خذل هذا المبدأ عبر تقديم رؤية تناسب توقعات الغرب بدلاً من مواجهة استشراقه أو نقده بجرأة. لكن هذا الطرح، في حد ذاته، يعكس إشكالية بين رؤيتين: واحدة ترى في الانفتاح على الغرب فرصة للحوار والنقد المتبادل، وأخرى ترى فيه خطرًا يهدد بالهيمنة والطمس الثقافي.

الباقي، إشكاليات، ساحة نقاشها، منتديات جامعية عالمية، وليس حتى لبنان، او منزل متواضع، يناقش مسائل يومية تعنى بـ”تحميلة” وجع الرأس الذي تسبب به، لان انتماء فلان لا يعجبك غسان لأريج! مزعج!

تُظهر السردية التاريخية أن سمير قصير كان شخصية محورية في تفكيك التداخل بين النظام السوري ولبنان من خلال مقالاته وكتبه التي عرّت الأبعاد القمعية للسيطرة السياسية والثقافية. بصفته صحفيًا ومفكرًا، لعب دورًا رياديًا في تسليط الضوء على الهيمنة التي مارسها النظام السوري، ليس فقط على المستوى السياسي، بل عبر إعادة تشكيل الهوية اللبنانية بما يخدم الأهداف السلطوية للنظام. وهذا ما أكملت به ايران. فاصبح هناك ثقافتين: ثقافة سعادة التي أدت الى ثقافة ايران. وثقافة سعادة التي أدت الى غسان تويني بعد الثورة على فكر سعادة.

قصير لم يكن مجرد كاتب يُحلل الواقع؛ كان شاهدًا على مرحلة حرجة في تاريخ سوريا ولبنان. في كتاباته، استعرض العلاقة الجدلية بين الأنظمة القمعية والهوية الوطنية. أشار إلى أن حرية لبنان واستقلاله لا يمكن تحقيقهما إلا من خلال تحرر السوريين من قبضة الاستبداد. إذ رأى أن النظام السوري يعتمد على إخضاع الآخرين كامتداد لاستمراريته، وربط ذلك بالديناميكيات الثقافية والسياسية التي عاشها لبنان في ظل الوصاية السورية.

أضاف قصير بُعدًا فلسفيًا لرؤيته عندما أشار إلى أن العلاقة بين لبنان وسوريا تتجاوز السياسة، لتشمل التاريخ والجغرافيا وحتى الثقافات المتداخلة. ولكن هذه العلاقة، وفق تحليله، شوهها الاستبداد الذي حاول فرض سردية واحدة على البلدين، مما أدى إلى تكريس الهيمنة بدلًا من تعزيز التكامل.

قصير لم يتردد في كشف تناقضات حزب البعث. رغم أن مؤسس الحزب، ميشال عفلق، نادى بالحرية كركيزة للنهضة العربية، إلا أن هذه الحرية هي “أداة قمع في يد النظام السوري”. في هذا السياق، لعب قصير دور المفكر الذي فضح هذه الازدواجية، كاشفًا كيف تم تحويل شعارات مثل “الوحدة والحرية” إلى أدوات استبدادية.

قصير أظهر أيضًا وعيًا عميقًا بفكرة الهوية القومية، لكنه رفض أن تُستخدم كذريعة للقمع أو كقناع لإخفاء المصالح الضيقة للنخب السياسية. لذا كان انتقاده للنظام السوري امتدادًا لرؤيته الأوسع حول أهمية الانفتاح والتنوع كمصدر قوة لا ضعف.

في المقابل، علمًا ان لا مجال للمقارنة، لا من الناحية الثقافية، ولا من الناحية العلمية، لكن مجرد وضع سعود في نفس التقرير ووثائقي فيه اسم سمير يصبح سعود موضع نقاش كذلك الامر. إذ يقدم غسان سعود انتقادًا لاذعًا لقصير، متهمًا إياه بتقديم صورة سطحية عن المقاومة الإسلامية وحزب الله للغرب. وفقًا لسعود، فإن قصير خدم تصورات الغرب الاستشراقية بدلًا من تقديم الصورة الحقيقية للمجتمع اللبناني. لكنه يتجاهل أن قصير كان في المقام الأول مدافعًا عن الحرية والتنوع، وأنه استخدم منبره لتحدي الاستبداد بكافة أشكاله.

رؤية سعود متأثرة بفكر أنطون سعادة، مؤسس الحزب السوري القومي الاجتماعي، الذي كان يعارض أي انفتاح على الغرب ويعتبره خطرًا على الهوية القومية. هذا النقد يُظهر تباينًا جوهريًا بين رؤيتين: الأولى تدافع عن الحرية كقيمة عالمية، والثانية ترى فيها خطرًا على الذات القومية.

إن جوهر الخلاف بين سعود وقصير ينبع من اختلاف رؤيتهما للغرب. بينما يرى سعود أن الغرب قوة استغلالية تسعى للهيمنة الثقافية، كان قصير ينادي بالانفتاح على الحوار كوسيلة للتغيير. لكن سعود في نقده يتجاهل حقيقة أن قصير لم يكن مجرد “وسيط ثقافي”، بل مفكرًا يناضل من أجل حرية الشعوب، ويدرك أن الانغلاق لا يخدم سوى الأنظمة القمعية.

يتضح أن نقد سعود لقصير يعكس تناقضًا في الخطاب القومي ذاته. في حين يدعي أنه يدافع عن الهوية المحلية، فإنه يتبنى خطابًا يستبعد أي محاولة للتواصل مع الآخر، مما يجعل رؤيته قاصرة عن تحقيق التغيير المطلوب. في المقابل، يبرز قصير كرمز لفكر ليبرالي يرفض أن تكون الهوية القومية حجة لتبرير القمع.

يبقى إرث سمير قصير جزءًا لا يتجزأ من النقاش حول الحرية والاستبداد في المنطقة. في حين يصر سعود على رؤية تقليدية تغلق الأبواب أمام الحوار، يفتح قصير آفاقًا جديدة للنقاش حول مستقبل الشعوب العربية. لهذا السبب، تبقى أفكار قصير أكثر صلة بساحة النقاش العالمية، حيث تُعتبر الحرية قيمة أساسية لا تقبل المساومة، وليست مجرد شعار يتم تسييسه لخدمة مصالح ضيقة.

عن Rita Chahwan

ريتا بولس شهوان، صحافية وباحثة ساهمت في عدد من الكتب منها "الكويت وإرادة الاستقلال في الوثائق العثمانية" و "ماذا فعل مدحت باشا في الخليج"(ذات السلاسل) وعملت في عدد من الصحف والمواقع الالكترونية العربية. تلقت تدريبات دولية على الاستقصاء وتخصصت في الاستقصاء الاجتماعي – الاقتصادي كما تولي اهمية كبيرة للشأن السياسي.

شاهد أيضاً

الأخبار»: هندسة «الغيريّة» واختراق الحصون الأكاديمية

في وقتٍ يبدو فيه الانقسام اللبناني أفقياً، يأتي العدد 5891 من جريدة «الأخبار» ليعكس محاولة …