نهاية عصر المساعدات: هل لبنان مستعد للاعتماد على نفسه في ظل التحولات الأمريكية؟

إذا كانت البرامج الأمريكية قد نُفّذت بهدف تحقيق الاستقلالية للدول التي تلقت المساعدات، فإن عدم تعلم اللبنانيين الاستقلالية هو مشكلتهم، وليس مشكلة الولايات المتحدة. وفقًا لهذا المنطق الجديد، فإن السياسة الأمريكية تعيد تشكيل نهجها في التعامل مع الدول، حيث لم يعد الدعم الإنساني والإنمائي أولوية، بل أصبح التركيز منصبًا على المصالح الاقتصادية البحتة. وهذا يعني أن العلاقات بين السفارة الأمريكية في لبنان ووسائل الإعلام، وكذلك التعاون مع الدول الأخرى، ستخضع لمنهجية جديدة تقوم على العائدات والاستثمارات بدلاً من المساعدات المجانية.

في هذا السياق، أدى إعلان إيلون ماسك عن خطط لإغلاق الوكالة الأمريكية للتنمية الدولية (USAID)، تماشياً مع استراتيجية ترامب لخفض الإنفاق الفيدرالي، إلى زعزعة المشهد السياسي والاقتصادي، حيث يشير القرار إلى تحول عميق في السياسة الأمريكية الخارجية. وإذا ما نُفِّذ هذا القرار نهائيًا، فسيعني إنهاء أحد أبرز أذرع الولايات المتحدة الإنسانية والدبلوماسية بعد 64 عامًا من تأسيسها.

النتائج المباشرة لهذا التحول ستؤثر على أكثر من 100 دولة كانت تعتمد على برامج الدعم الأمريكية، حيث سيتم إعادة توجيه هذه الموارد نحو تعزيز الاستثمارات الأمريكية، مما سيساهم في تحقيق قفزة اقتصادية محلية تدعم مصالح التوسع الأمريكي عالميًا. وبهذا، فإن الولايات المتحدة لا تُوقف مساعداتها فحسب، بل تعيد صياغة استراتيجيتها بطريقة تجعلها تفرض سيطرتها على الاقتصاد العالمي من خلال الاستثمارات، بدلاً من الدعم المباشر.

أما في لبنان، فقد أصبح واضحًا أن مصير المشاريع التي كانت تموّلها الوكالة غير مؤكد. المساعدات التنموية، المنح الدراسية، والدعم اللوجستي للجيش اللبناني، كلها باتت في مهب الريح. ومع اختفاء موقع الوكالة الإلكتروني وإيقاف نظام الدفع الخاص بها، لم يعد بالإمكان معرفة ما إذا كانت هذه المشاريع ستُستكمل أو ستتوقف تمامًا.

في ظل هذه التغيرات، لا يبدو أن واشنطن ستتراجع عن هذا التوجه الجديد، الذي يهدف إلى إنهاء الاعتماد على المساعدات وجعل الدول، ومنها لبنان، مسؤولة عن إدارة شؤونها بنفسها. ومن الآن فصاعدًا، أي دعم أمريكي سيكون مشروطًا بتحقيق مصالح اقتصادية واستراتيجية للولايات المتحدة، مما يجعل لبنان، وغيره من الدول، أمام اختبار حقيقي للاستقلالية التي كان يُفترض أن يتعلمها منذ عقود.

عن Rita Chahwan

ريتا بولس شهوان، صحافية وباحثة ساهمت في عدد من الكتب منها "الكويت وإرادة الاستقلال في الوثائق العثمانية" و "ماذا فعل مدحت باشا في الخليج"(ذات السلاسل) وعملت في عدد من الصحف والمواقع الالكترونية العربية. تلقت تدريبات دولية على الاستقصاء وتخصصت في الاستقصاء الاجتماعي – الاقتصادي كما تولي اهمية كبيرة للشأن السياسي.

شاهد أيضاً

الأخبار»: هندسة «الغيريّة» واختراق الحصون الأكاديمية

في وقتٍ يبدو فيه الانقسام اللبناني أفقياً، يأتي العدد 5891 من جريدة «الأخبار» ليعكس محاولة …