عندما تدور الدائرة: شماتة مستحقة في سماسرة الدموع

سنتشري قصوركم!

لكل طاغية نهاية، ولكل نظام متجبر يوم حساب. وبينما تترنح أعمدة نظام بشار الأسد، الذي قام على القمع والحديد والنار، وتتغير موازين القوى، هناك فئة من الناس تراقب المشهد بعيون زائغة وقلوب واجفة. إنهم أولئك الذين بنوا “أمجادهم” الزائفة على أنقاض أحلام الآخرين، وتسلقوا سلم المناصب والثروة على أكتاف زملائهم، وارتووا من دماء الأبرياء ودموعهم. نتحدث هنا بشكل خاص عن سماسرة الوشاية، أولئك الذين باعوا ضمائرهم للشيطان، وكان “عملهم” الأساسي هو كتابة التقارير الأمنية ضد منظمي الطلاب والنشطاء الحالمين بوطن حر كريم.

كانوا يتباهون بقربهم من “الباشا” وأزلامه، يتفاخرون بنفوذهم الذي لم يكن سوى ظل لسلطة غاشمة. كانوا يوزعون الابتسامات الصفراء في العلن، وفي الخفاء ينسجون خيوط المؤامرات، يبيعون أسماء زملائهم وأصدقائهم بثمن بخس: منصب هنا، أو مكسب مادي هناك، أو مجرد الشعور الزائف بالأهمية والقوة المستمدة من خدمة الجلاد. لقد بنوا قصورهم واستثماراتهم، ليس بعرق جبينهم أو بذكائهم، بل بدموع أمهات المعتقلين، وبآهات الطلاب الذين انتهى بهم المطاف في أقبية التعذيب المظلمة بسبب وشاية رخيصة.

أين هم الآن؟ أولئك الذين كانوا يصولون ويجولون، ويعتبرون أنفسهم فوق المساءلة، وأن نظامهم باقٍ إلى الأبد؟ لقد بدأت الأرض تهتز تحت أقدامهم. مصادر الدخل غير المشروع بدأت تجف، والنفوذ الذي كانوا يتكئون عليه بدأ يتآكل. ها هم اليوم، يضطرون لـ”تقليص نفقاتهم” بأسلوب يليق بتاريخهم المخزي.

تأتي الأخبار من لبنان، ذلك البلد الذي كان ملاذاً آمناً لأموالهم الملوثة، بأن عقاراتهم الفخمة، وشققهم المطلة على البحر، وحساباتهم المصرفية المنتفخة، تُعرض للبيع بأسعار بخسة. إنهم يبيعون ممتلكاتهم ليس لسداد ديون شريفة، بل للتكيف مع واقع جديد لم يحسبوا حسابه. يبيعون تلك الأصول التي اشتروها بأموال هي في حقيقتها ثمن خياناتهم، ثمن صمتهم عن الظلم، بل ومشاركتهم فيه. كل حجر في تلك الفلل، كل دولار في تلك الحسابات، يحمل بصمة معاناة بطل مجهول، طالب حُرم من مستقبله، أو ناشط دُفنت أحلامه في غياهب السجون.

إنها مفارقة مريرة ومُرضية في آن واحد. الأملاك التي بُنيت على “دموع ودماء الأبطال المجهولين” تُباع اليوم لتغطية نفقات حياة أصبحت أقل بذخاً وفخامة. قد لا تكون هذه هي العدالة الكاملة التي يستحقها الضحايا، فجراحهم أعمق من أن تندمل ببيع عقار هنا أو هناك. لكنها بالتأكيد بداية النهاية لحقبة من الظلم والطغيان، وهي درس قاسٍ لكل من يعتقد أن بإمكانه بناء مجده على حساب معاناة شعبه.

فلنشاهد بصمت، وربما بقليل من الشماتة المستحقة، كيف يبيع سماسرة الأمس إرثهم الملطخ بالعار. إنها ليست مجرد عملية بيع وشراء، بل هي شهادة حية على أن عروش الظلم، مهما علت، مصيرها الزوال، وأن أمجاد الوشاية لا تدوم، بل تتحول في نهاية المطاف إلى مجرد أصول بخسة معروضة للبيع في سوق النخاسة الأخلاقي. إنها دائرة تدور، وللباطل جولة، وللحق دولة، وإن طال الزمن.

عن Rita Chahwan

ريتا بولس شهوان، صحافية وباحثة ساهمت في عدد من الكتب منها "الكويت وإرادة الاستقلال في الوثائق العثمانية" و "ماذا فعل مدحت باشا في الخليج"(ذات السلاسل) وعملت في عدد من الصحف والمواقع الالكترونية العربية. تلقت تدريبات دولية على الاستقصاء وتخصصت في الاستقصاء الاجتماعي – الاقتصادي كما تولي اهمية كبيرة للشأن السياسي.

شاهد أيضاً

الأخبار»: هندسة «الغيريّة» واختراق الحصون الأكاديمية

في وقتٍ يبدو فيه الانقسام اللبناني أفقياً، يأتي العدد 5891 من جريدة «الأخبار» ليعكس محاولة …