seed=2605703258

كل صاروخ يُطلق، تسجّل بورصة تل أبيب ارتفاعًا …

بينما نُستنزف، هناك من يربح

إن الصراع بين “حزب الله الإرهابي” وإسرائيل، كما يتضح من التطورات الأخيرة، هو حلقة مستمرة من الاستفزاز المتبادل المدروس. فكل طرف يبدو أنه يستخدم العمليات الأمنية والعسكرية ليس فقط لتحقيق أهداف تكتيكية، بل كأداة للتأثير على البيئة الاقتصادية الأوسع، وخلق حالة من عدم الاستقرار التي يمكن استغلالها في المنافسة التجارية وضرب أسواق الخصم او بمعنى اخر ورقة ضغط ايرانية على اقتصادات العالم، عبر حزب الله، باعتبار ان حزب الله كمنظومة ارهابية تضر لبنان (بين مخدرات وجريمة منظمة) ويمكن عبر الحروب ان تؤثر على بيئة الاعمال عبر مفهوم التجسس الاقتصادي الذي يحدثه بالتواصل مع ابناء الجلدة اللبنانية، مما يفيد بشكل او باخر مباشرة اسرائيل لانها هي من تمتلك في هكذا صراع الادوات التكنولوجية والذكاء الاصطناعي والموساد خارج عن اي رقابة. الاغتيالات، كشف المخططات، والعمليات عبر الحدود – سواء في لبنان، سوريا، أو حتى قبرص – كلها تندرج ضمن هذه الاستراتيجية حيث القيمة العليا هي للمعلومة الدقيقة (أمن المعلومات) التي تتيح حماية المصالح (الربح) وضرب مصالح الآخرين، متجاوزة بذلك أي اعتبارات “وطنية” تقليدية. وفي خضم هذه المعادلة، تبدو الحكومة اللبنانية طرفاً هامشياً أو عاجزاً، مما يترك الساحة للمواجهة المباشرة بين اللاعبين الرئيسيين الساعيين لتعظيم مكاسبهما وتقليل خسائرهما في هذه “المنافسة” الشرسة.

يقدم مقال نجم الهاشم في نداء الوطني بعنوان “ماذا يفعل حزب الله في قبرص” التحليلي الأخير الذي يستعرض التطورات الأمنية بين إسرائيل ولبنان وسوريا مادة دسمة لفهم هذه الديناميكية المعقدة. فبعيداً عن الخطابات السياسية أو الأيديولوجية، يمكن قراءة الأحداث من منظور “اقتصادي-أمني” بحت، حيث “أمن المعلومات المتعلق بالربح” هو المحرك الأساسي، وليس القضايا الوطنية. الذي يعمل في الاقتصاد لا يرى الاوطان الا مصلحة اقتصادية.

الاستدراج المتبادل كأداة اقتصادية

يشير المقال إلى أن إسرائيل لم تكن بحاجة لـ”حجة” الصواريخ لتواصل عملياتها، وأن “حزب الله” بدوره استمر بنشاطاته رغم وقف إطلاق النار. وفقاً لمنطق الاستدراج الاقتصادي، فإن إطلاق الصواريخ (بغض النظر عن المسؤول الحقيقي، والذي تعتبر إسرائيل “الحزب” مسؤولاً عنه لعدم كشف الفاعل) يمنح إسرائيل الغطاء لعمليات تخدم أهدافها الأوسع. هذه العمليات، مثل اغتيال القياديين حسن بدير وحسن فرحات، لا تهدف فقط لشل القدرات العسكرية، بل لخلق بيئة من التوتر المستمر تؤثر سلباً على الاقتصاد اللبناني الهش أصلاً، وتزيد من تكاليف الأمن والمخاطر، مما قد يفتح الباب أمام فرص أو أسواق بديلة تستفيد منها إسرائيل أو حلفاؤها. بالمقابل، استمرار “حزب الله” في عملياته، بما في ذلك التخطيط المزعوم لعملية في قبرص ضد هدف مدني إسرائيلي، يمكن تفسيره كرد فعل يهدف للحفاظ على قدرته على فرض “تكاليف اقتصادية” على إسرائيل (تهديد السياحة، الطيران، الأمن)، مؤكداً أنه لاعب قادر على التأثير على “أمن مصالحها”.

“تنظيف الساحة” كمنافسة على النفوذ الاقتصادي:

يصف النص العمليات الإسرائيلية في لبنان وسوريا بأنها “عملية تنظيف”. من المنظور الاقتصادي التنافسي، هذا يعني إزالة أو إضعاف أي بنية تحتية أو تنظيمية (“حزب الله”، النفوذ الإيراني، بقايا القدرات السورية) يمكن أن تشكل تهديداً للمصالح الاقتصادية الإسرائيلية الحالية أو المستقبلية في المنطقة. إنها محاولة لتشكيل الساحة الإقليمية بما يضمن لإسرائيل ميزة تنافسية وهيمنة اقتصادية، أو على الأقل منع المنافسين من تعزيز مواقعهم.

الاغتيالات كضرب لرأس المال المعلوماتي:

تجاوز إسرائيل للسلطة اللبنانية وتنفيذها الاغتيالات مباشرة يعكس منطق “حماية الربح” أولاً. اغتيال شخصيات قيادية مثل بدير (الذي تكشف الصورة المسربة له مع قاسم سليماني عن أهميته) وفرحات، ليس مجرد خسارة عسكرية لـ “حزب الله” و”حماس”، بل هو تدمير لـ”أصول معلوماتية” وشبكات وخبرات يصعب تعويضها. في عالم يعتبر “أمن المعلومات” مفتاح الربح، فإن القضاء على هؤلاء يعني تعطيل قدرة الخصم على التخطيط والتنفيذ، بما في ذلك العمليات التي قد تستهدف مصالح اقتصادية إسرائيلية حيوية. امتلاك إسرائيل للمعلومات الاستخباراتية التي مكنتها من تنفيذ هذه العمليات هو بحد ذاته “رأس مال تنافسي”.

تجاوز الوطنيات لصالح المصالح:

إن إصرار “حزب الله”، كما يلمح المقال، على عدم التخلي عن سلاحه واستراتيجيته، رغم القرارات الدولية والسلطة اللبنانية الجديدة، يمكن تفسيره ضمن هذا الإطار بأنه حفاظ على “أدوات التأثير” التي تضمن له البقاء كلاعب فاعل في المعادلة الإقليمية، وهو دور له بالضرورة أبعاد اقتصادية (مصادر تمويل، نفوذ، قدرة على الإرباك). وبالمثل، فإن تركيز إسرائيل على العمليات المباشرة بدلاً من انتظار تحرك لبناني، يؤكد أولوية حماية مصالحها المباشرة (الأمنية والاقتصادية) على أي اعتبارات أخرى تتعلق بسيادة الدول أو “القضايا الوطنية” للآخرين.

في نهاية المطاف، تكشف الأحداث المتلاحقة في لبنان وسوريا وقبرص عن وجه آخر للصراع، وجه تتوارى فيه الشعارات الوطنية خلف ستار المصالح الاقتصادية والأمنية المرتبطة بها. إنها حرب ظل تُستخدم فيها الاغتيالات والاستخبارات كأدوات في منافسة شرسة على النفوذ والأسواق، حيث يبقى “أمن المعلومات المؤدي للربح” هو الهدف الأسمى، وتبقى الدولة اللبنانية، للأسف، مجرد مسرح لهذه المواجهة المكلفة.

عن Rita Chahwan

ريتا بولس شهوان، صحافية وباحثة ساهمت في عدد من الكتب منها "الكويت وإرادة الاستقلال في الوثائق العثمانية" و "ماذا فعل مدحت باشا في الخليج"(ذات السلاسل) وعملت في عدد من الصحف والمواقع الالكترونية العربية. تلقت تدريبات دولية على الاستقصاء وتخصصت في الاستقصاء الاجتماعي – الاقتصادي كما تولي اهمية كبيرة للشأن السياسي.

شاهد أيضاً

من المخدرات إلى الأصول الرقمية: النيابة العامة التمييزية تعيد هندسة الأمن المالي اللبناني

لم تعد معركة مكافحة تبييض الأموال في لبنان مجرد ملاحقات قضائية تقليدية، بل تحولت إلى …