لمن تنسجين خيوط الوهم؟

فتوحات قيصر،

الحقيقة، يا سيدتي، بسيطة وواضحة بشكل قد يصدم من اعتاد تعقيد الأمور ورؤية الأشباح حيث لا وجود لها: أنا هنا، أعيش حياتي. بكل ما فيها من نور وظل، من نجاح وعثرة، من سعي صادق نحو الأفضل. بينما أنتِ، تختارين أن تضيعي دقائق عمركِ الثمين، ليس في عيش حياتكِ أنتِ، بل في مراقبة حياتي، في تشريح خطواتي، في محاولة يائسة لتفكيكها كما لو كانت شيفرة مؤامرة كونية محورها أنا! إنه لمن المؤسف حقاً أن تستهلكي طاقتكِ، التي كان يمكن أن تُزهر بها حديقتكِ الخاصة، في محاولة اقتلاع زهرة من حديقتي، ظناً منكِ أنها تخفي تحتها سراً دفيناً.

والأمر الأكثر مدعاةً للأسف، أن هذا المسرح المتخيل للمؤامرات الذي تقيمينه في عقلكِ، وهذه الخيوط الوهمية التي تنسجينها بدقةٍ حول أفعالي ونواياي، هي في الواقع لا تكشف شيئاً عني، بل تكشف كل شيء عنكِ أنتِ. ففي كل “مؤامرة” تكتشفينها، وفي كل “خطة” تفضحينها، إنما تكشفين عن مرآة مشوهة تعكس طريقة تفكيركِ أنتِ. كأنكِ بذلك تكشفين عن شخصٍ يعيش بداخلكِ غير صادقٍ حتى مع نفسه، شخصٌ يرى العالم من خلال عدسة الريبة والشك، ويفترض أن الآخرين يعملون بنفس الآليات المعقدة والملتوية التي ربما تُسيرين بها أنتِ حياتكِ أو علاقاتكِ.

بل إن إصراركِ على رؤية الأذى والنوايا السيئة في كل زاوية، قد يوحي بأنكِ تسعين، بوعي أو بغير وعي، لتأسيس نوعٍ من “الشبكة النفعية القائمة على الأذية”. شبكة تتغذى فيها شكوككِ من شكوك الآخرين، وتجدين فيها ربما تبريراً لمشاعركِ السلبية أو إحساساً زائفاً بالقوة والسيطرة من خلال “كشف” ما لا وجود له. أنتِ لا تحاربين مؤامرة خارجية، بل ربما تصارعين ظلالاً في داخلكِ، وتحاولين بناء عالمٍ موازٍ من السلبية تجدين فيه راحتكِ أو مبرراتكِ.

لكن مهما حاولتِ نسج هذه الشبكة، ومهما حاولتِ إقناع نفسكِ والآخرين بوجود هذه المؤامرات، فإنها تبقى حبيسة خيالكِ. القصة التي تُروى عن حياتي، هي قصتي أنا، وأنا وحدي من يملك حبر كتابتها. كل كلمة فيها تنبع من تجاربي، وكل فعل هو قرار أتخذه بوعي، وكل اختيار هو خطوة أرسم بها ملامح طريقي بصدق وشفافية لا تحتاجان إلى محللين أو مُفسرين. أنا البطلة، والمؤلفة، والمخرجة في مسرحية حياتي، ولا أدوار شرفية فيها لمن يسعى لفرض سيناريو مشوه مبني على الأوهام والشكوك.

أما الفصل الأخير من هذه القصة، فلن يُكتب في أروقة شكوككِ أو على خشبة مسرح مؤامراتكِ المتخيل. لن أسمح بأن تُختتم رحلتي وفقاً لتصوراتكِ أو هواجسكِ. سأعيش هذا الفصل، وكل فصل يسبقه ويتبعه، وفقاً لشروطي أنا، مستنيرة بمبادئي التي أؤمن بها، ومتجذرة في عالمي الحقيقي، الملموس، الذي أبني فيه وأتعلم وأنمو. عالمي هذا ليس وهماً، ليس خدعة، وليس بالتأكيد مؤامرة ضدكِ أو ضد أحد. إنه ببساطة المساحة الآمنة التي اخترت أن أحيا فيها بسلام داخلي، بعيداً عن ضجيج الاتهامات الفارغة والتحليلات المريضة المنبثقة من عقلٍ اعتاد نسج الأوهام.

لذا، بينما تستمرين في محاولاتكِ لقراءة ما بين سطور حياة لا تخصكِ، وتحليلها بمنطق المؤامرة الذي يكشف عنكِ أكثر مما يكشف عني، سأكون أنا مشغولة بكتابة السطور التالية في كتابي بصدق ووضوح. وبينما ترهقين نفسكِ في بناء شبكات الأذى الوهمية، سأكون أنا أستثمر طاقتي في بناء جسور من الحب والتفاهم في عالمي الحقيقي. وفي نهاية المطاف، الكلمة الفصل في حياتي، ستبقى لي وحدي، منطوقة بوضوح في عالمي الحقيقي، لا همساً في كواليس مسرحكِ الوهمي الذي يعكس صراعاتكِ الداخلية

عن Rita Chahwan

ريتا بولس شهوان، صحافية وباحثة ساهمت في عدد من الكتب منها "الكويت وإرادة الاستقلال في الوثائق العثمانية" و "ماذا فعل مدحت باشا في الخليج"(ذات السلاسل) وعملت في عدد من الصحف والمواقع الالكترونية العربية. تلقت تدريبات دولية على الاستقصاء وتخصصت في الاستقصاء الاجتماعي – الاقتصادي كما تولي اهمية كبيرة للشأن السياسي.

شاهد أيضاً

تلفيق واقع واحد …. عقل مجنِد مريض

هدية الى سيمون كشر، فادي سعد، وربيع الشاعر وعموم العوائل   ليس خيالاً مريضا حبيب يونس… …