مساعي ماكرون للتوازن بين النفوذ السعودي والمصالح الفرنسية في مصر

يعمل الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون على تعزيز نفوذ فرنسا في مصر وموازنة التأثير السعودي من خلال شبكة معقدة من العلاقات الاستراتيجية. هذه المحاولة جزء من رؤية أوسع لفرنسا لاستعادة دورها التاريخي كلاعب مؤثر في منطقة الشرق الأوسط، وسط تشابك المصالح الإقليمية والدولية.

العلاقات الفرنسية المصرية: تاريخ طويل وتعاون استراتيجي

تمتلك فرنسا ومصر علاقات تاريخية عميقة الجذور. وقد وصفت مصادر دبلوماسية العلاقات الفرنسية المصرية بأنها “ممتازة منذ عقود”، مع وجود العديد من الشركات الفرنسية العاملة في مصر التي توظف عشرات الآلاف من المصريين

. تجلت هذه العلاقة بوضوح من خلال اثني عشر لقاءً بين ماكرون والرئيس المصري عبد الفتاح السيسي منذ تولي ماكرون منصبه في عام 2017

.

كانت مصر أول دولة تشتري 24 طائرة رافال فرنسية في عام 2015، مما مهد الطريق لصادرات إضافية من هذه الطائرات إلى دول أخرى

. هذه الصفقة العسكرية الكبيرة تشير إلى العمق الاستراتيجي للعلاقات بين البلدين، خاصة في المجال العسكري.

تسعى فرنسا لاستغلال هذه العلاقات الوثيقة مع مصر للعمل نحو وقف إطلاق النار في الشرق الأوسط، لا سيما فيما يتعلق بالصراع في غزة

. وبهذا المعنى، تحاول فرنسا الاستفادة من موقع مصر المحوري في المنطقة لتعزيز نفوذها.

النفوذ السعودي في مصر ودوره في الانقلاب على الإخوان المسلمين

قدمت المملكة العربية السعودية والإمارات العربية المتحدة والكويت دعماً مالياً كبيراً لمصر بعد الإطاحة بحكم الإخوان المسلمين. في الأيام التي أعقبت الانقلاب، أعلنت هذه الدول عن حزمة مساعدات بقيمة 12 مليار دولار

. ويشار إلى أن الملك السعودي عبدالله أصدر تأييداً علنياً للانقلاب بعد ساعتين فقط من إعلان الجنرال السيسي عزل الرئيس محمد مرسي وتعليق الدستور

يدعي السياسي المصري أيمن نور أن “قرار وتخطيط الانقلاب العسكري كان خطوة سعودية والتنفيذ كان إماراتياً”

. ويشير إلى أن الدور السعودي لم يكن واضحاً للكثيرين في ذلك الوقت، لكن التخطيط كان سعودياً بينما تولت الإمارات تنفيذ الخطة استمرت السعودية في تقديم تمويل كبير لمصر منذ الانقلاب

، مما ساهم في دفع زيادة هائلة في مشتريات الأسلحة من فرنسا. ومع ذلك، فإن هذا التمويل لم يكن بدون تكلفة، حيث توقع الممولون ممارسة نوع من السيطرة على شؤون مصر

 

العلاقة المعقدة بين الإخوان المسلمين وحزب الله

كان للإخوان المسلمين علاقات مع حزب الله رغم الاختلافات المذهبية والأيديولوجية. في عام 2006، دعمت جماعة الإخوان المسلمين العمل العسكري لحزب الله، مما يشير إلى وجود تعاون رغم الاختلافات.

ورغم أن العلاقة بين الجماعة الإسلامية (المرتبطة بالإخوان) وحزب الله كانت متوترة في البداية بسبب النزاعات حول الحرب في سوريا

، إلا أن هناك تعاوناً حالياً بينهما. يوفر هذا التعاون فوائد متبادلة، حيث يمكن لحزب الله الآن إضفاء الشرعية على وجوده في القرى السنية على طول الحدود، بينما تستطيع الحركة المرتبطة بالإخوان المسلمين تعزيز مكانتها السياسية وشعبيتها

.

محاولات ماكرون لموازنة النفوذ السعودي

يسعى ماكرون إلى بناء “شراكة استراتيجية” بين فرنسا ومصر من النوع الذي يوجد بالفعل بين مصر والاتحاد الأوروبي

. هذه المحاولة يمكن اعتبارها جزءاً من استراتيجية أوسع تركز على الساحل البحري المتوسط.

يضيف ماكرون بثبات لبنات البناء لمحاولة إحداث تغيير في المنطقة. في هذا السياق، لا يمكن عزل لبنان عن نهج ماكرون تجاه مصر أو سوريا أو حتى الجزائر. إنه يتعلق ببناء الاستقرار من خلال تمكين وكالة محلية أكبر

.

على الرغم من أن هذه الجهود تبدو معزولة، هناك منطق في إنشاء شراكات بين شمال وجنوب البحر المتوسط وبناء الثقة بين البلدان. وقد وصفت زيارات الرئيس الفرنسي إلى لبنان في يناير ومصر في أبريل 2025 بأنها “بداية صفحة جديدة للبحر المتوسط”

 

موازنة المصالح الإسرائيلية والمصرية

لدى إسرائيل تاريخ طويل من العمليات السرية في مصر، بدءاً من “قضية لافون” في عام 1954، وهي عملية سرية إسرائيلية فاشلة رمزها “عملية سوزانا”

. كانت العملية تهدف إلى زعزعة استقرار مصر من خلال تفجيرات ضد أهداف مدنية مصرية وأمريكية وبريطانية، على أن يُلقى اللوم على الإخوان المسلمين أو الشيوعيين المصريين.

في عام 2025، زُعم أن جاسوساً إسرائيلياً تم اعتقاله في مصر كان يحاول زيادة التوتر بين المتظاهرين المصريين وقوات الجيش خلال ثورة 25 يناير

. وفقاً للتحقيقات الأولية، كان هذا الجاسوس يسعى لإثارة مشاعر المتظاهرين وتشجيعهم على الاشتباك مع القوات العسكرية وإثارة الفوضى.

في خضم هذه التعقيدات، يحاول ماكرون بناء توازن دقيق. من جهة، يعزز العلاقات مع السعودية، حيث زار الرياض في ديسمبر 2024 لزيارة دولة استمرت ثلاثة أيام

، مما يدل على تعميق العلاقات بين فرنسا والسعودية. ومن جهة أخرى، يعمل على تقوية العلاقات مع مصر لتعزيز النفوذ الفرنسي في المنطقة.

تظهر محاولات ماكرون للسيطرة على النفوذ السعودي في مصر تعقيدات العلاقات الإقليمية في الشرق الأوسط. في حين دعمت السعودية والإمارات بقوة إزاحة نظام الإخوان المسلمين، تسعى فرنسا إلى إيجاد موطئ قدم أقوى في مصر من خلال بناء علاقات اقتصادية وعسكرية وسياسية متشابكة.

يحاول ماكرون أن يوازن بين مصالح متعددة: تعزيز النفوذ الفرنسي، الحفاظ على العلاقات مع السعودية والإمارات، إيجاد حلول للصراعات الإقليمية، ومراعاة المصالح الإسرائيلية، كل ذلك مع الحفاظ على علاقات قوية مع مصر كلاعب محوري في المنطقة. هذه الموازنة الدقيقة تعكس تعقيد المشهد الجيوسياسي في الشرق الأوسط وأهمية مصر كمركز للقوى الإقليمية والدولية.

عن Rita Chahwan

ريتا بولس شهوان، صحافية وباحثة ساهمت في عدد من الكتب منها "الكويت وإرادة الاستقلال في الوثائق العثمانية" و "ماذا فعل مدحت باشا في الخليج"(ذات السلاسل) وعملت في عدد من الصحف والمواقع الالكترونية العربية. تلقت تدريبات دولية على الاستقصاء وتخصصت في الاستقصاء الاجتماعي – الاقتصادي كما تولي اهمية كبيرة للشأن السياسي.

شاهد أيضاً

الأخبار»: هندسة «الغيريّة» واختراق الحصون الأكاديمية

في وقتٍ يبدو فيه الانقسام اللبناني أفقياً، يأتي العدد 5891 من جريدة «الأخبار» ليعكس محاولة …