الخلاص من زمن الميليشيات وانصار الجيش …. زحلة نموذج !

1.1. إرث الحرب الأهلية وتوظيف الذاكرة الجماعية

تشكّل معركة زحلة (1980-1981) أحد أبرز الرموز في التاريخ السياسي اللبناني الحديث، حيث دافعت القوات اللبنانية عن المدينة ضد القوات السورية والفصائل الفلسطينية، وفقًا لتقارير تاريخية

. تحوَّلت هذه الأحداث إلى ذاكرة جماعية تُستعاد في الخطاب السياسي المعاصر، خاصةً في سياق الانتخابات البلدية. فخلال الانتخابات الأخيرة (2025)، استخدم النائب جورج عقيص شعار “عَ زحلة ما بيفوتو” كاستعادة لرمزية المقاومة، بينما هاجمه النائب سليم الصايغ بتهمة “الغياب السياسي” خلال تلك الفترة، واصفًا إياه بأنه “كان في البامبرز”

. هذا الاستدعاء الانتقائي للتاريخ يعكس استمرار هيمنة خطاب الحرب، حيث تُختزل الشرعية السياسية في الانتماء إلى سرديات الصراع العسكري، بدلًا عن البرامج المدنية.

1.2. التوظيف السياسي للهوية الطائفية

تُمثّل زحلة، بتركيبتها المسيحية المارونية، حاضنةً للخطاب الهوياتي. في انتخابات 2025، حاول عقيص تعبئة الناخبين عبر الربط بين الهوية المسيحية وشرعية “القوات اللبنانية”، بينما اتهم الصايغ خصومه بـ”الاستنجاد بالقوى الخارجية”، في إشارة إلى حزب الله

. هذا الانزياح نحو الخطاب الطائفي يُعيد إنتاج منطق الدويلة الميليشياوية، حيث تُحَوَّل الهوية إلى أداة ضغطٍ بدلًا عن كونها أساسًا للمواطنية.

2. آليات تعطيل التحول الديمقراطي في الخطاب السياسي

2.1. اختزال السياسة في الصراع الشخصي

تحوَّل السجال بين عقيص والصايغ إلى معركة شخصية تجاوزت الخلافات البرامجية. ففي تصريحٍ له، وصف الصايغ عقيص بـ”الشتامين المبتدئين”، فردَّ عقيص باتهام خصمه بـ”العقدة النفسية من النجاح”

. هذا النمط من الخطاب يُفْرِغ السياسة من مضمونها، ويحوّلها إلى مسرحٍ للصراعات الذاتية، مما يُعيق بناء الثقة بين الناخبين والمؤسسات. وفقًا لدراسات الأمم المتحدة، فإن 78% من اللبنانيين يرون أن الخطاب السياسي الحالي يعكس أزمة تمثيل عميقة، حيث تُهيمن المصالح الضيقة على الحوار العام

 

2.2. استمرار هيمنة الميليشيات على القرار السياسي

رغم انتهاء الحرب الأهلية، لا تزال الميليشيات تُسيطر على مفاصل الدولة عبر آليتين:

  1. الاحتواء الاقتصادي: تقديم خدماتٍ موازية (مستشفيات، مدارس) لضمان الولاء، كما في حالة حزب الله في الضاحية الجنوبية

  • .

  • التوظيف الانتخابي: استخدام السلاح كأداةٍ لفرض التحالفات، كما ظهر في اتهامات عقيص لحزب الله بمحاولة “كسر إرادة القوات” في زحلة عبر تمويل لائحة منافسة

  1. .

3. تداعيات الخطاب الميليشياوي على الديمقراطية التوافقية

3.1. تفكيك مبدأ تداول السلطة

أدَّت الاستقطابات الحادة إلى تحويل الانتخابات إلى ساحةٍ لتصفية الحسابات. ففي زحلة، تحالف “التيار الوطني الحر” مع خصومه التقليديين لمواجهة عقيص، وفقًا لتقارير إعلامية

. هذا الانقلاب على التحالفات يُضعف مبدأ التداول السلمي للسلطة، ويُعيد إنتاج نموذج “الغالب والمغلوب” الذي ميّز حقبة الميليشيات.

3.2. إضعاف مؤسسات الدولة لصالح الهياكل الموازية

باتت القرارات المصيرية تُتخذ خارج أروقة البرلمان. فخلال أزمة تشكيل الحكومة (2023)، هدَّد حزب الله بـ”خيارات أخرى” إذا لم تُلبَّ مطالبه، وفقًا لتسريبات دبلوماسية

. هذا النهج يعكس ثقافة اللا-دولة، حيث تُحتكر الشرعية من قبل الفصائل المسلحة، لا من خلال الإرادة الشعبية.

4. سُبُل الخلاص: نحو خطاب مدني بديل

4.1. تفكيك التحالفات الطائفية عبر الإصلاح الانتخابي

ضرورة اعتماد قانون انتخابي يعتمد الدوائر الكبرى والنسبية، مما يُقلص من هيمنة الزعماء المحليين. تجربة انتخابات 2022 أظهرت أن النظام الحالي يعزز الانقسامات، حيث فاز 68% من النواب عبر تحالفات طائفية

.

4.2. بناء الذاكرة الجمعية على قيم المصالحة

ينبغي تحويل أماكن مثل متحف زحلة للذاكرة (المزمع إنشاؤه) إلى فضاءاتٍ للحوار حول جرائم الحرب، بدلًا من توظيفها سياسيًّا. في جنوب إفريقيا، ساهمت “لجان الحقيقة والمصالحة” في خفض نسبة العنف السياسي بنسبة 40% خلال عقدٍ واحد

4.3. تمكين المجتمع المدني كبديل عن الخطاب الميليشياوي

أظهرت مبادرات مثل “المواطنون الفاعلون” قدرة الشباب على قيادة تغييرٍ مجتمعي. ففي 2023، نفذ المشاركون 120 مشروعًا تنمويًّا في مناطق نائية، مثل عكار، دون الاعتماد على التمويل الطائفي

السجال بين عقيص والصايغ ليس مجرد خلافٍ شخصي، بل هو تعبيرٌ عن أزمة بنيوية في النظام اللبناني، حيث لا تزال ثقافة الميليشيات تهيمن على الخطاب السياسي، مُعيقَةً الانتقال إلى دولة المواطنة. إن تجاوز هذا النموذج يتطلب جرأةً في مراجعة السرديات التاريخية، وإصلاحًا مؤسسيًّا جذريًّا، وبناء تحالفاتٍ مدنية تعيد تعريف الشرعية بعيدًا عن منطق السلاح.

عن Rita Chahwan

ريتا بولس شهوان، صحافية وباحثة ساهمت في عدد من الكتب منها "الكويت وإرادة الاستقلال في الوثائق العثمانية" و "ماذا فعل مدحت باشا في الخليج"(ذات السلاسل) وعملت في عدد من الصحف والمواقع الالكترونية العربية. تلقت تدريبات دولية على الاستقصاء وتخصصت في الاستقصاء الاجتماعي – الاقتصادي كما تولي اهمية كبيرة للشأن السياسي.

شاهد أيضاً

الأخبار»: هندسة «الغيريّة» واختراق الحصون الأكاديمية

في وقتٍ يبدو فيه الانقسام اللبناني أفقياً، يأتي العدد 5891 من جريدة «الأخبار» ليعكس محاولة …