تحولات موازين النفط بعد الحرب على إيران: مشهد جديد للتحالفات الإقليمية والدولية

شهدت منطقة الشرق الأوسط والعالم تحولات عميقة في موازين القوى النفطية عقب الهجمات الإسرائيلية الواسعة على إيران في يونيو 2025. لم تقتصر تداعيات هذه الحرب على الجانب العسكري أو السياسي فحسب، بل امتدت لتعيد رسم خريطة التحالفات النفطية وتوجهات الطاقة إقليمياً ودولياً، في ظل تغير السياسات الأمريكية بين عهدَي ترامب وبايدن، وتوسع مجموعة بريكس.

الحرب على إيران: نقطة تحول في سوق النفط

بدأت الأحداث عندما شنت إسرائيل سلسلة ضربات جوية استهدفت منشآت نووية وصاروخية إيرانية، ما أدى إلى تراجع كبير في قدرة إيران على إنتاج وتصدير النفط. هذا التصعيد العسكري، ورد إيران عليه، خلق حالة من عدم اليقين في الأسواق، ورفع أسعار النفط بشكل حاد، إذ قفز سعر برميل برنت بنسبة 6% ليصل إلى 73.5 دولار، في مشهد يذكر بأزمات نفطية سابقة مثل حرب 1973 والحرب العراقية الإيرانية.

تبدل التحالفات النفطية: من التقارب إلى التنافس

على مدى السنوات الأخيرة، شهدت العلاقات العربية-الإيرانية بعض الانفراج، خاصة بعد 2019، حيث لعبت السعودية دوراً في تهدئة التوترات مع طهران. لكن الحرب الأخيرة أعادت حالة القطيعة، وأعادت دول الخليج إلى محور التحالف مع الولايات المتحدة، مستفيدة من قدرتها على تعويض غياب النفط الإيراني عبر رفع الإنتاج، في حين تواجه إيران عزلة متزايدة داخل أوبك+.

دور ترامب وبايدن في رسم المشهد النفطي

ترامب: سياسة الهيمنة ورفع الاستثمارات

شكلت زيارة الرئيس ترامب للمنطقة في مايو 2025 علامة فارقة، إذ عززت التعاون الاستثماري بين الولايات المتحدة ودول الخليج، وأطلقت مشاريع ضخمة بقيمة تتجاوز تريليوني دولار. كما أعلن ترامب عن استراتيجية “الهيمنة في مجال الطاقة”، وفرض ضغوطاً على أوبك+ لخفض الأسعار، مستفيداً من حالة الطوارئ وفتح صنبور النفط الأمريكي، ما منح واشنطن قدرة أكبر على التحكم في السوق العالمي.

بايدن: سياسات بيئية وتوتر مع الخليج

على النقيض من ذلك، اتسمت سياسات بايدن بتشديد القيود البيئية على قطاع النفط والغاز، ما أثار انتقادات من شركات الطاقة وحلفاء واشنطن. كما شهدت العلاقات الأمريكية-السعودية توتراً بعد فشل بايدن في إقناع الرياض بزيادة الإنتاج، وقرار أوبك+ بخفض الإمدادات، ما أضعف قدرة الولايات المتحدة على التأثير في السوق خلال أزمات الطاقة.

بريكس: التوسع في ظل التحديات

شهدت مجموعة بريكس توسعاً كبيراً بانضمام دول مثل مصر والإمارات وإيران وإثيوبيا وإندونيسيا، ما عزز وزنها في سوق النفط العالمي. لكن الحرب على إيران شكلت تحدياً كبيراً للمجموعة، إذ أضعفت أحد أعضائها المؤسسين، وأعادت توزيع النفوذ لصالح الصين وروسيا. كما أن السياسات الأمريكية الجديدة تهدد بفرض رسوم على صادرات النفط، ما يضعف قدرة بريكس على بناء نظام اقتصادي بديل.

التوقعات المستقبلية: نظام نفطي جديد

تشير التقديرات إلى أن أسعار النفط ستظل مرتفعة في ظل استمرار التوترات، مع توقعات بأن يبلغ متوسط سعر البرميل 70 دولاراً في 2025. تعتمد دول الخليج على هذا الواقع لتعزيز مكانتها كشريك استراتيجي للولايات المتحدة، بينما تواجه إيران عزلة متزايدة، وتجد بريكس نفسها أمام اختبار صعب لوحدتها.

خاتمة

أدت الحرب على إيران إلى إعادة تشكيل موازين القوى النفطية والتحالفات الإقليمية والدولية. فقد عادت دول الخليج إلى محور التحالف مع واشنطن، بينما تراجعت إيران إلى الهامش، وواجهت بريكس تحديات تهدد وحدتها. في هذا السياق، يبدو أن العالم يدخل مرحلة جديدة من جيوسياسة الطاقة، تتسم بظهور تحالفات جديدة، وتغير موازين القوى التقليدية التي سادت لعقود.

عن Rita Chahwan

ريتا بولس شهوان، صحافية وباحثة ساهمت في عدد من الكتب منها "الكويت وإرادة الاستقلال في الوثائق العثمانية" و "ماذا فعل مدحت باشا في الخليج"(ذات السلاسل) وعملت في عدد من الصحف والمواقع الالكترونية العربية. تلقت تدريبات دولية على الاستقصاء وتخصصت في الاستقصاء الاجتماعي – الاقتصادي كما تولي اهمية كبيرة للشأن السياسي.

شاهد أيضاً

من المخدرات إلى الأصول الرقمية: النيابة العامة التمييزية تعيد هندسة الأمن المالي اللبناني

لم تعد معركة مكافحة تبييض الأموال في لبنان مجرد ملاحقات قضائية تقليدية، بل تحولت إلى …