من لبنان إلى سوريا: هل يصبح الفن طريقاً للسلام؟ ربما يكون الفن، هذه المرة، هو السياسة الأذكى.

بعد أكثر من عقد من الدماء والانقسامات، تقف سوريا اليوم عند مفترق طرق حاسم. فمع سقوط نظام الأسد في ديسمبر 2024، بدأ السوريون رحلة جديدة محفوفة بالأمل والمخاوف. لكن أي مشروع وطني لا يمكن أن ينهض فقط عبر المؤتمرات والقرارات السياسية، بل يحتاج إلى شفاء أعمق: مصالحة الناس مع بعضهم البعض. من هنا، يبرز مشروع لبناني بسيط المظهر عميق الأثر كمصدر إلهام: “MARCH لبنان”، الذي حوّل مقاتلي طرابلس إلى فنّانين وأعداء الأمس إلى أصدقاء على خشبة المسرح.

القصة الكاملة: ما هو مشروع MARCH؟
MARCH ليست مجرد منظمة ثقافية، بل تجربة اجتماعية فريدة بدأت عام 2011 في لبنان. في طرابلس، المدينة التي مزّقتها الحرب الطائفية بين جبل محسن وباب التبانة، اختارت المنظمة أن ترد على الكراهية بالفن. جمعت شباناً من المعسكرين، درّبتهم على المسرح، وجعلتهم يؤدّون معاً قصصهم. النتيجة؟ ضحك، دموع، وأوّل بوادر سلام شعبي حقيقي.

هل يمكن نسخ التجربة إلى سوريا؟
مع بداية 2025، وسوريا تدخل مرحلة انتقالية حساسة بقيادة الرئيس أحمد الشرع، تُطرح أسئلة صعبة: كيف نعيد بناء مجتمع فقد ثقته في الدولة وفي بعضه البعض؟ كيف نحمي المستقبل من تكرار الماضي؟ وهنا يظهر اقتراح جاد: تطبيق نموذج MARCH في المدن السورية الأكثر تمزقاً، مثل دمشق، حلب، حمص، ودرعا.

ماذا يتضمن المشروع؟

  • مقاهي المصالحة: مساحات ثقافية تُنشأ في المناطق المتنازعة سابقاً، يعمل فيها شبان من طوائف متباينة، وتُنظَّم فيها فعاليات موسيقية ومسرحية.

  • العلاج بالفن: برامج تعبيرية لمساعدة من عاشوا الحرب على مشاركة آلامهم بطرق غير عنيفة.

  • التمكين الاقتصادي: مشاريع عمل مشتركة لتقليل الفقر وكسر حاجز الخوف بين المجتمعات.

  • شراكة مع الجيش الجديد: لتنظيم نشاطات رياضية وبيئية تعزز العلاقة بين المدنيين والمؤسسة العسكرية.

لماذا الآن؟
الوضع الراهن ليس مثالياً، بل خطير: فالأزمة الإنسانية مستمرة، الهجمات الإسرائيلية تتصاعد، والاقتصاد منهك. لكن في السياسة، كما في الحياة، اللحظات الأخطر قد تكون فرصاً نادرة. فسوريا اليوم، بعد سقوط النظام، لا تحتاج فقط إلى دستور جديد بل إلى عقد اجتماعي جديد – يبدأ من الناس، لا من القصر الجمهوري.

ما الذي نحتاجه؟

  • دعم سياسي: لا مشروع مصالحة ينجح دون إرادة سياسية تحميه من التدخلات الطائفية.

  • تمويل دولي: لضمان استمرارية المبادرات الثقافية والاقتصادية في بيئة منهكة.

  • ثقة المجتمع: وهذا هو الأهم – فبدون قناعة السوريين بأن الفن قد ينقذ ما لم تنقذه البنادق، يبقى المشروع حبراً على ورق.

خاتمة: سوريا تستحق فرصة أخرى
ليست هذه دعوة للعيش في وهم، بل لإعطاء الواقع فرصة ثانية. إذا استطاعت طرابلس أن تتحول من بركان طائفي إلى منصة مسرحية، فلماذا لا تستطيع دمشق؟ مشروع MARCH ليس وصفة جاهزة، بل شرارة قد تشعل نار التسامح في بلد أنهكته الكراهية.

عن Rita Chahwan

ريتا بولس شهوان، صحافية وباحثة ساهمت في عدد من الكتب منها "الكويت وإرادة الاستقلال في الوثائق العثمانية" و "ماذا فعل مدحت باشا في الخليج"(ذات السلاسل) وعملت في عدد من الصحف والمواقع الالكترونية العربية. تلقت تدريبات دولية على الاستقصاء وتخصصت في الاستقصاء الاجتماعي – الاقتصادي كما تولي اهمية كبيرة للشأن السياسي.

شاهد أيضاً

الأخبار»: هندسة «الغيريّة» واختراق الحصون الأكاديمية

في وقتٍ يبدو فيه الانقسام اللبناني أفقياً، يأتي العدد 5891 من جريدة «الأخبار» ليعكس محاولة …