انهيار الشبكات الاقتصادية النفعية للأحزاب اللبنانية: نهاية استراتيجية التهميش والجريمة

انتهى فعلياً عصر الأحزاب اللبنانية التي بنت نفوذها على التهميش والجريمة والإقصاء والتعمية مع انهيار شبكاتها الاقتصادية النفعية. وفي ظل التحولات الجديدة، خاصة مع طرح ملف سلاح حزب الله بشكل جدي وإطلاق برامج نزع السلاح والتسريح وإعادة الإدماج، ستجد هذه الأحزاب نفسها أمام اختبار حاسم: القدرة على الاندماج في المنظومة الجديدة التي تتطلب الشفافية والمساءلة، أو السقوط النهائي خارج المشهد السياسي والاجتماعي.

إن التجربة اللبنانية تؤكد أن الأزمات الاقتصادية العميقة قادرة على إعادة تشكيل المشهد السياسي بشكل جذري، وأن النماذج السياسية القائمة على الفساد والزبائنية لا يمكن أن تستمر في ظل انهيار الموارد المالية التي تغذيها. وبذلك، تشكل برامج نزع السلاح والتسريح وإعادة الإدماج فرصة لإعادة بناء النظام السياسي اللبناني على أسس جديدة أكثر عدالة وشفافية.

انهيار النظام الزبائني التقليدي

بدأ انهيار النموذج الاقتصادي اللبناني الذي ازدهر منذ نهاية الحرب الأهلية عام 1989، والذي اعتمد على الزبائنية الطائفية وتوزيع الموارد والوظائف وفقاً للولاءات السياسية والطائفية

. هذا النظام، الذي وصفته دراسات البنك الدولي بأنه “كساد مقصود”، انهار بسبب عدة عوامل:

  • تراجع التدفقات الرأسمالية: توقف الدعم الدولي والعربي الذي كان يغذي شبكات الزبائنية التقليدية

  • انهيار القطاع المصرفي: تحول البنوك من وسطاء مالي إلى مجرد قنوات لصرف الرواتب، مما قلص قدرة الأحزاب على توفير الخدمات المالية لأتباعها

  • تدهور الخدمات العامة: انهيار القطاعات الحيوية كالطاقة والصحة والتعليم التي كانت تستخدم كأدوات للسيطرة الزبائنية

تآكل شرعية الأحزاب التقليدية

أدت الأزمة الاقتصادية إلى تآكل الشرعية الشعبية للأحزاب التقليدية، خاصة تلك التي اعتمدت على استراتيجيات التهميش والإقصاء. فقد أظهرت الاحتجاجات التي اندلعت في أكتوبر 2019 توحداً شعبياً نادراً ضد الطبقة السياسية برمتها، تحت شعار “كلن يعني كلن”

  • انكشاف الفساد: لم تعد أساليب التعمية والتضليل قادرة على إخفاء تورط الأحزاب في الفساد والجريمة المنظمة

  • فقدان القدرة على التلبية: عجز الأحزاب عن تلبية الحاجات الأساسية لأتباعها، من وظائف وخدمات صحية وتعليمية

  • تراجع الموارد: جفاف مصادر التمويل التقليدية وتقلص قدرة الدولة على توفير الوظائف والمناصب المرموقة

العلاقة مع ملف سلاح حزب الله وبرامج نزع السلاح والتسريح وإعادة الإدماج

مع طرح ملف جمع سلاح حزب الله على الطاولة بشكل جدي في 2025، يبرز احتمال إطلاق برامج نزع السلاح والتسريح وإعادة الإدماج (DDR – Disarmament, Demobilization, and Reintegration)

 هذه البرامج، التي تهدف إلى “المساهمة في الأمن والاستقرار في بيئات ما بعد الصراع حتى يتسنى بدء الانتعاش والتنمية”

 تتضمن:

نزع السلاح: جمع الأسلحة من الجماعات المسلحة وتوثيقها والسيطرة عليها

التسريح: إنهاء الخدمة العسكرية للعناصر المنخرطة في النزاع

إعادة الإدماج: مساعدة هؤلاء الأفراد على العودة إلى الحياة المدنية عبر التدريب وفرص العمل

سباق الأحزاب على وظائف نزع السلاح والتسريح وإعادة الإدماج

في ظل انهيار الشبكات الزبائنية التقليدية، ستجد الأحزاب نفسها مضطرة للتنافس على وظائف وبرامج نزع السلاح والتسريح وإعادة الإدماج كبديل عن الوظائف المرموقة التي كانت تسيطر عليها سابقاً. وقد أشارت التجربة اللبنانية السابقة في التسعينيات إلى أن برنامج نزع السلاح والتسريح وإعادة الإدماج الذي أطلق عام 1991 هدف إلى “إعادة تأهيل أكثر من 50,000 مقاتل ميليشيا سابق من خلال دمجهم في مناصب عسكرية وإدارية في المؤسسات العامة”

لكن التجربة الحالية تختلف عن سابقتها، حيث تواجه الأحزاب تحديات جديدة:

  • الشروط الدولية: تشترط برامج نزع السلاح والتسريح وإعادة الإدماج عادة سجلاً نظيفاً واستعداداً حقيقياً للاندماج السلمي

  • الرقابة الدولية: وجود مراقبة دولية مكثفة لضمان تنفيذ البرامج بشكل شامل وفعال

ربط التمويل بالتنفيذ: إعادة الإعمار والمساعدات الدولية مرتبطة بتنفيذ برامج نزع السلاح

إخفاق الأحزاب المنغمسة بالجريمة

الأحزاب التي تورطت عميقاً في الجريمة المنظمة والتهميش ستواجه صعوبات جمة في الاستفادة من برامج نزع السلاح والتسريح وإعادة الإدماج. وتشير الدراسات إلى أن “النجاح في برامج نزع السلاح والتسريح وإعادة الإدماج يتطلب دعم المجتمعات المحلية والثقة في العملية”

 وهو ما تفتقر إليه الأحزاب التي اعتمدت على استراتيجيات الإقصاء والتعمية.

التحولات الجديدة في المشهد السياسي

تشهد الساحة اللبنانية اليوم تحولاً جذرياً، حيث تطرح القيادة الرسمية بوضوح مسألة حصر السلاح بيد الدولة. فقد أعلن الرئيس جوزف عون في خطاب القسم أن “من المهم وجود السلاح بيد الجيش اللبناني فقط”

، وأكد رئيس الحكومة نواف سلام أن “الدولة تصمم على حصر السلاح بيد الشرعية”

هذا التحول يعكس:

  • ضغوط دولية متزايدة: خاصة من الولايات المتحدة التي ربطت المساعدات الاقتصادية بتنفيذ الإصلاحات الداخلية بما في ذلك نزع سلاح الميليشيات

  • تغير في موازين القوى: ضعف حزب الله بسبب الحرب المستمرة مع إسرائيل والأضرار الكبيرة التي تسببت بها الغارات الإسرائيلية

  • إعادة تشكيل التحالفات: تحول في النظام الإقليمي مع سقوط نظام الأسد في سوريا وتراجع النفوذ الإيراني

عن Rita Chahwan

ريتا بولس شهوان، صحافية وباحثة ساهمت في عدد من الكتب منها "الكويت وإرادة الاستقلال في الوثائق العثمانية" و "ماذا فعل مدحت باشا في الخليج"(ذات السلاسل) وعملت في عدد من الصحف والمواقع الالكترونية العربية. تلقت تدريبات دولية على الاستقصاء وتخصصت في الاستقصاء الاجتماعي – الاقتصادي كما تولي اهمية كبيرة للشأن السياسي.

شاهد أيضاً

الأخبار»: هندسة «الغيريّة» واختراق الحصون الأكاديمية

في وقتٍ يبدو فيه الانقسام اللبناني أفقياً، يأتي العدد 5891 من جريدة «الأخبار» ليعكس محاولة …