محاور القوى الخفية: كيف تستغل الجيوبوليتيك الدينية ثغرات حقوق الإنسان لإعادة تشكيل النفوذ الإقليمي

في المشهد المعقد للشرق الأوسط، تبرز بعض القوى الدينية العراقية المقيمة في لبنان كلاعبين سياسيين بارعين في الجمع بين الخطابين المتناقضين والتحالفات الخفية. هؤلاء، الذين يظهرون علناً بمظهر المعارضين لسياسات إيران في المنطقة، يحتفظون في الواقع بقنوات ارتباط وتحالف تكتيكي مع بقايا محور حزب الله في لبنان. هذه الازدواجية تمنحهم قدرة على الحركة داخل المشهد الطائفي، وتفتح أمامهم مجالات للوصول إلى مراكز ضغط فاعلة في العالم الإسلامي.

تحالفات متناقضة ولكن فعّالة

بينما يرفع هؤلاء الراية المناهضة للنفوذ الإيراني لكسب دعم أطراف سنية وعربية، فإن تحالفهم مع بقايا منظومة حزب الله يتيح لهم الحفاظ على خط إمداد سياسي وأمني داخل لبنان. هذا المزيج يوفر لهم مجالاً للمناورة بين المحاور الكبرى، ويعزز حضورهم كوسيط قادر على التواصل مع أطراف متضادة.

التوجه نحو مراكز الضغط في العالم الإسلامي

من خلال استغلال مكانتهم الدينية، يسعى هؤلاء لأن يصبحوا مرجعية ذات صدى خارج حدود لبنان والعراق، بما في ذلك العالم السني في آسيا. هنا يظهر مثال العلاقة بين السعودية وإندونيسيا كفرصة للدراسة:
السعودية، رغم نفوذها الكبير في إندونيسيا عبر مشاريع النفط وأرامكو والشراكات الاقتصادية، تواجه نقاط ضعف مثل ملفات العمالة والاختلافات في السياسات، ما يفتح الباب أمام قوى دينية أو سياسية لتوظيف هذه الثغرات في بناء خطاب نقدي أو شبكات تحالف بديلة.

استثمار ثغرات حقوق الإنسان كسلاح ضغط

إحدى الأدوات التي توظفها هذه المجموعات هي اللعب على وتر حقوق الإنسان في السعودية، واستدعاء هذه الملفات إلى ساحة الأمم المتحدة. هذا النهج يوفر لهم قناة قانونية وأخلاقية لمخاطبة المؤسسات الدولية وكسب ودّها، بل وربما تحريك قرارات أو ضغوط سياسية تستهدف الرياض. الربط بين هذه الضغوط ونقاط الضعف في العلاقات مع دول محورية مثل إندونيسيا يعزز قدرتهم على تصوير أنفسهم كحلفاء ظرفيين للأمم المتحدة في ملفات حساسة.

التأثير على قوات حفظ السلام

في موازاة عملهم على الساحة الدولية، يحاول هؤلاء اللعب على ملف قوات حفظ السلام في لبنان (اليونيفيل)، وذلك عبر استخدام التحالفات مع شبكات حزب الله والتأثير على بيئة عمل هذه القوات، وصولاً إلى تفكيك أو تقليص تكوينها. الهدف هو إعادة تشكيل معادلة الردع والمراقبة في الجنوب، بما يمنحهم وحلفاءهم حرية أكبر للحركة.

علاقة ندية مع النظام الدولي

هذه القوى لا تكتفي بالسعي للحصول على دعم، بل تحاول فرض نفسها كطرف ندّي في الحوار مع الأمم المتحدة ومؤسساتها، مستفيدة من قصص النجاح الجزئية في فتح قنوات تفاوض أو تعاون مع منظمات دولية عبر بوابات حقوق الإنسان، أو عبر تصوير نفسها كمدافع عن قضايا المجتمعات المسلمة في العالم.

في الخلاصة، يجمع هؤلاء بين أدوات الجيوبوليتيك الدينية، والتحالفات الطائفية المتناقضة، واستغلال الفراغات في العلاقات الدولية، لفرض وجودهم كلاعب إقليمي مؤثر. إن ربط ملفات مثل العلاقة بين السعودية وإندونيسيا، وملف حقوق الإنسان، ووضعية قوات حفظ السلام، في شبكة معقدة من التحالفات والخصومات، يكشف عن قدرة استراتيجية عالية في إعادة توزيع موازين القوى في العالم الإسلامي.

عن Rita Chahwan

ريتا بولس شهوان، صحافية وباحثة ساهمت في عدد من الكتب منها "الكويت وإرادة الاستقلال في الوثائق العثمانية" و "ماذا فعل مدحت باشا في الخليج"(ذات السلاسل) وعملت في عدد من الصحف والمواقع الالكترونية العربية. تلقت تدريبات دولية على الاستقصاء وتخصصت في الاستقصاء الاجتماعي – الاقتصادي كما تولي اهمية كبيرة للشأن السياسي.

شاهد أيضاً

الأخبار»: هندسة «الغيريّة» واختراق الحصون الأكاديمية

في وقتٍ يبدو فيه الانقسام اللبناني أفقياً، يأتي العدد 5891 من جريدة «الأخبار» ليعكس محاولة …