زلزال جيوسياسي: نزع سلاح حزب الله يضرب قلب أوبك… الدبلوماسية الروسية – الاميركية مقابل اوبك بلاس أيضاً

لا تُمثل زيارة الموفدين الأمريكيين توماس براك ومورغان أورتاغوس إلى بيروت في 18 أغسطس 2025 مجرد حدث دبلوماسي روتيني، بل هي الإعلان الرسمي عن بدء تنفيذ تحول استراتيجي جذري يعيد رسم موازين القوى في الشرق الأوسط. تأتي هذه الزيارة لتتويج ما وصفه النص بـ”القرار التاريخي” للحكومة اللبنانية بنزع سلاح حزب الله، وهو حدث، إن تم، سيُمثل نقطة تحول ليس للبنان فحسب، بل للمنطقة بأسرها.

جوهر هذا التحول يكمن في أن نزع سلاح حزب الله لا يعني فقط استعادة الدولة اللبنانية لسيادتها الكاملة وإنهاء حالة “الدولة داخل الدولة”، بل يمثل ضربة قاصمة للمشروع الإقليمي الإيراني. طوال عقود، كان حزب الله بمثابة الذراع العسكرية الأكثر فاعلية لإيران على حدود إسرائيل وعلى شاطئ البحر المتوسط، وركيزة أساسية فيما يُعرف بـ”محور المقاومة”. تحييد هذه القوة يعني فقدان إيران لأهم أوراق ضغطها العسكرية والسياسية، مما يضعف نفوذها بشكل غير مسبوق من طهران إلى بغداد ودمشق وبيروت.

هذا الانقلاب في موازين القوى الجيوسياسية لن يظل حبيس الملفات الأمنية والعسكرية، بل سيمتد تأثيره تلقائياً وبشكل مباشر إلى قلب أسواق الطاقة العالمية، وتحديداً إلى داخل أروقة تحالفي أوبك وأوبك بلس. فمع تحييد الذراع العسكرية الأقوى لإيران، تفقد طهران جزءاً كبيراً من نفوذها وقدرتها على التأثير داخل هذه التحالفات النفطية. لطالما استخدمت إيران ورقتها الإقليمية لتعزيز موقفها التفاوضي في اجتماعات فيينا، ولكن في هذا السيناريو الجديد، ستكون في موقف أضعف بكثير.

في المقابل، تتعاظم قوة وتأثير الدول الخليجية الكبرى، وعلى رأسها المملكة العربية السعودية والإمارات العربية المتحدة، التي ستجد نفسها في موقع أقوى لفرض رؤيتها على سياسات الإنتاج والتسعير، بالتنسيق مع الولايات المتحدة التي تبدو في هذا السيناريو وكأنها حققت نصراً استراتيجياً كبيراً. إن نجاح الخطة الأمريكية في لبنان سيعزز من نفوذ واشنطن على حلفائها في الخليج، مما قد يترجم إلى سياسات نفطية أكثر انسجاماً مع المصالح الغربية. وبذلك، فإن ديناميكيات صنع القرار داخل أوبك وأوبك بلس ستتغير حتماً، حيث سيخفت الصوت الإيراني المتعالي وتضعف قدرة روسيا على استغلال حلفائها الإقليميين لموازنة النفوذ السعودي-الأمريكي.

على الرغم من هذا الأفق الاستراتيجي الواعد للولايات المتحدة وحلفائها، فإن الخطة التي يحملها الموفدان الأمريكيان محفوفة بالمخاطر. فهي تعتمد على فرضية أن قراراً من مجلس وزراء لبناني منقسم يمكنه أن يفرض على قوة عسكرية بحجم حزب الله التخلي عن سلاحه. رد الحزب باعتبار القرار “كأنه لم يوجد” هو التحدي الأكبر الذي قد يحول هذا السيناريو المتفائل إلى شرارة مواجهة داخلية أو إقليمية.

في المحصلة، لا يمكن قراءة هذه الزيارة إلا كخطوة تنفيذية في لعبة شطرنج كبرى؛ خطوة لا تهدف إلى إعادة الاستقرار إلى لبنان فحسب، بل إلى إعادة هيكلة النظام الإقليمي بأكمله. وفي هذا النظام الجديد، يصبح التحكم في مصادر الطاقة العالمية نتيجة مباشرة للسيطرة على موازين القوة العسكرية والسياسية، وهو ما تسعى واشنطن لتحقيقه عبر بواب بيروت.

عن Rita Chahwan

ريتا بولس شهوان، صحافية وباحثة ساهمت في عدد من الكتب منها "الكويت وإرادة الاستقلال في الوثائق العثمانية" و "ماذا فعل مدحت باشا في الخليج"(ذات السلاسل) وعملت في عدد من الصحف والمواقع الالكترونية العربية. تلقت تدريبات دولية على الاستقصاء وتخصصت في الاستقصاء الاجتماعي – الاقتصادي كما تولي اهمية كبيرة للشأن السياسي.

شاهد أيضاً

الأخبار»: هندسة «الغيريّة» واختراق الحصون الأكاديمية

في وقتٍ يبدو فيه الانقسام اللبناني أفقياً، يأتي العدد 5891 من جريدة «الأخبار» ليعكس محاولة …