وهم الاعتدال: لماذا المتعصب هو الخطر الاستراتيجي الأكبر؟

في المشهد السياسي المعقد، يسود اعتقاد بأن الشخصية المعتدلة التي ترفع شعارات حوار الأديان قد تكون غطاءً خطيراً لمشاريع مسلحة. لكن هذه النظرة السطحية تتجاهل خطراً أعمق وأكثر تدميراً: خطر المتعصب دينياً. فبينما قد يوفر المعتدل غطاءً هشاً، فإن المتعصب، في سعيه الأعمى لفرض رؤيته ومنع أي نفوذ ديني آخر، يتحول إلى أداة مثالية يمكن اختراقها وتجنيدها لخدمة أجندات خارجية، مما يجعله الخطر الاستراتيجي الحقيقي الذي لا يمكن احتواؤه.

المفارقة تكمن في أن وضوح تطرف المتعصب ليس نقطة ضعف، بل هو مدخله ليصبح جزءاً من لعبة أكبر. فعقيدته الصارمة ورفضه المطلق للآخر يضعانه على مسار تصادمي يمكن التنبؤ به. هذا المسار يدفعه حتماً للبحث عن حلفاء يشاركونه تعصبه، فيشكل شبكات من المتشددين تتجاوز الحدود المحلية. وهنا تكمن الفرصة للقوى الخارجية؛ فهذه الشبكات القائمة على الكراهية والمصالح الأيديولوجية الضيقة هي الأكثر قابلية للاختراق والتجنيد.

بعكس الشخصية المعتدلة التي قد تناور سياسياً، فإن المتعصب يرى العالم من منظور “نحن وهم”، مما يجعله أداة طيعة في يد من يستغل هذا الانقسام. يمكن بسهولة تحويل حماسته الدينية إلى وقود لمعارك لا علاقة لها بمعتقداته، بل تخدم مصالح استراتيجية لقوة خارجية. يعتقد أنه يخدم قضيته المقدسة، بينما هو في الواقع مجرد جندي في “حرب بالوكالة”، يتم توجيهه لتفكيك مجتمعه من الداخل وخلق الفوضى التي تبرر التدخلات الخارجية.

هذا النموذج يتناسب تماماً مع منطق “الحرب على المنظومة”. فالقوى التي تسعى لـ”تفكيك البنية التحتية المجتمعية” لا تحتاج بالضرورة إلى قصف المستشفيات بشكل مباشر. يكفيها أن تجند شبكة من المتعصبين لإشعال فتنة داخلية، أو لتنفيذ عمليات تمنحها المبرر القانوني والإعلامي لشن هجوم أوسع. المتعصب هنا لا يوفر غطاءً، بل يوفر “الذريعة” نفسها. دوره ليس التمويه، بل إشعال الحريق الذي سيأتي على الأخضر واليابس.

لذلك، فإن التركيز على خطر “الغطاء النبيل” للمعتدلين قد يعمينا عن رؤية التهديد الحقيقي. الخطر ليس فيمن يطمس الحدود بين المدني والعسكري، بل فيمن يبني جبهة أيديولوجية متصلبة يمكن لأي جهة خارجية أن تستخدمها كمطرقة لتدمير الدولة والمجتمع. دوره ليس كامناً أو سلبياً، بل هو دور فاعل ومدمر، ولا يمكن استيعابه أو تجاهله.

في نهاية المطاف، المعركة الحقيقية من أجل سيادة الدولة لا تكمن فقط في كشف الأقنعة، بل في مواجهة وتفكيك شبكات التعصب التي تشكل طابوراً خامساً جاهزاً للتجنيد. فالشخص الذي يضحي بسلامة وطنه من أجل نقاء عقيدته المزعومة هو الخطر الأكبر، لأنه يحول نفسه ومجتمعه طواعية إلى أداة في يد الأعداء.

عن Rita Chahwan

ريتا بولس شهوان، صحافية وباحثة ساهمت في عدد من الكتب منها "الكويت وإرادة الاستقلال في الوثائق العثمانية" و "ماذا فعل مدحت باشا في الخليج"(ذات السلاسل) وعملت في عدد من الصحف والمواقع الالكترونية العربية. تلقت تدريبات دولية على الاستقصاء وتخصصت في الاستقصاء الاجتماعي – الاقتصادي كما تولي اهمية كبيرة للشأن السياسي.

شاهد أيضاً

الأخبار»: هندسة «الغيريّة» واختراق الحصون الأكاديمية

في وقتٍ يبدو فيه الانقسام اللبناني أفقياً، يأتي العدد 5891 من جريدة «الأخبار» ليعكس محاولة …