لبنان على مفترق الأمواج: منطق الدولة أم منطق الإقطاع؟ او الفتنة الاقتصادية؟

إن المرافئ، في تاريخ الأمم واقتصادها، ليست مجرد أرصفة لشحن البضائع، بل هي بوابات استراتيجية ترسم خرائط القوة الاقتصادية، وتحدد دور الدولة على المسرح العالمي. التخطيط لها لا يخضع لمنطق “الخدمة المحلية” كإنشاء مستوصف أو مدرسة، بل لمنطق “الحاجة الوطنية القصوى” والكفاءة اللوجستية. وعندما تضل دولة ما هذه البوصلة، وتبدأ في التخطيط لمرافئها بمنطق المحاصصة المناطقية و”استنساخ” المرافق دون جدوى، فهي لا تبذر مواردها الشحيحة فحسب، بل تزرع بذور فتنة قد تحصدها حرباً أهلية.

إن النقاش الدائر في لبنان حول إنشاء مرفأ في كسروان مقابل تهميش مرفأ طرابلس، مع وجود مرفأ بيروت كمركز ثقل، هو تجسيد حي لهذا الصراع بين منطق الدولة ومنطق الإقطاع.

مرافئ الحاجة لا الحصرية: تحليل الثلاثي اللبناني

لفهم حجم الخلل، يجب تفكيك الأدوار المنطقية للمرافئ اللبنانية الرئيسية:

  1. مرفأ بيروت: هو القلب التاريخي والمركز التجاري الأول. قبل الانفجار، كان يتعامل مع ما يقارب 1.2 إلى 1.5 مليون حاوية نمطية (TEU) سنوياً. موقعه في قلب العاصمة يجعله مثالياً لخدمة بيروت الكبرى وجبل لبنان، وهي المناطق الأعلى استهلاكاً. وظيفته الطبيعية هي أن يكون المرفأ التجاري الرئيسي والمحوري (Hub Port) للبضائع الموجهة للاستهلاك المحلي والمسافنة (Transshipment) محدودة النطاق.

  2. مرفأ طرابلس: هو العملاق النائم والبديل الاستراتيجي. يمتلك بنية تحتية جاهزة، وقدرة استيعابية حالية تصل إلى 600 ألف حاوية سنوياً، ومساحة شاسعة تبلغ حوالي 3 ملايين متر مربع تسمح بتوسع هائل. الأهم من ذلك، موقعه يجعله البوابة الطبيعية لشمال لبنان وسوريا والعراق. هو ليس مجرد نسخة عن مرفأ بيروت، بل هو مرفأ ذو وظيفة مختلفة: هو مرفأ رديف لبيروت في حالات الطوارئ، وبوابة تجارية للداخل الإقليمي، ومركز محتمل لمنطقة اقتصادية حرة ضخمة.

  3. مشروع مرفأ كسروان (الافتراضي): هنا يكمن الخلل المنطقي. يقع هذا المشروع على بعد كيلومترات قليلة شمال بيروت. السؤال الأول والأبسط في أي دراسة جدوى: ما هي الحاجة التي يلبيها ولا يمكن لمرفأي بيروت وطرابلس تلبيتها؟ الإجابة هي: لا شيء. إنه لا يخدم منطقة جغرافية جديدة، ولا يقدم وظيفة لوجستية فريدة. بل إنه سيخلق حالة من “الازدواجية الضارة”، حيث يتنافس مع مرفأ بيروت مباشرة على نفس الشحنات المحدودة، مما يضعف كليهما.

منطق الجدوى والأرقام: استثمار أم تبذير؟

لنضع الأمر في سياق الأرقام:

  • تكلفة التفعيل مقابل الإنشاء: تشير التقديرات إلى أن استثماراً يتراوح بين 70 إلى 100 مليون دولار في مرفأ طرابلس (لتحديث الرافعات، تعميق الحوض، وتطوير البنية التحتية) يمكن أن يرفع طاقته الاستيعابية إلى أكثر من مليون حاوية سنوياً ويطلق العنان لإمكاناته الكاملة. في المقابل، بناء مرفأ جديد من الصفر في كسروان، بما في ذلك كاسر أمواج، وأحواض، وأرصفة، ومعدات، سيكلف ما لا يقل عن 300 إلى 500 مليون دولار، هذا إن لم تتجاوز التكلفة ذلك بكثير.

  • العائد على الاستثمار (ROI): استثمار 70 مليون دولار في طرابلس، في مرفق قائم، يمكن أن يبدأ في تحقيق عائدات خلال 3-5 سنوات عبر تنشيط منطقة بأكملها وخلق آلاف فرص العمل. أما إنفاق 500 مليون دولار على مرفأ جديد غير مضمون الجدوى، في بلد مفلس، فهو حرق للمال العام قد لا يحقق أي عائد لعقود، بل سيخلق أصلاً دائماً يتطلب صيانة مكلفة.

دروس من العالم: التكامل لا الاستنساخ

الدول الناجحة لا تبني مرافئها على أساس رغبات المناطق، بل ضمن استراتيجية وطنية متكاملة قائمة على التخصص:

  • هولندا: تمتلك ميناء روتردام، الأكبر في أوروبا، وهو مخصص بشكل أساسي للحاويات الضخمة والصناعات الثقيلة. على بعد كيلومترات قليلة، يقع ميناء أمستردام الذي يتخصص في مجالات أخرى مثل البضائع الزراعية والسفن السياحية والبضائع السائبة. لا يحاول أي منهما استنساخ الآخر؛ بل يكملان بعضهما البعض.

  • ألمانيا: ميناء هامبورغ وميناء بريمرهافن هما من أكبر الموانئ الأوروبية، لكنهما يخدمان ممرات لوجستية مختلفة ويتنافسان ضمن خطة فيدرالية تضمن الكفاءة للاقتصاد الألماني ككل.

  • إسبانيا: ميناء فالنسيا مخصص للحاويات والتجارة مع آسيا، بينما ميناء الجزيرة الخضراء هو أكبر ميناء للمسافنة في المتوسط، وميناء برشلونة يركز على التجارة والسياحة. لكل مرفأ هويته ووظيفته.

الدرس واضح: المرافئ تتوزع لتلبية حاجات جغرافية ووظيفية متنوعة، لا لتلبية طموحات سياسية مناطقية. كان يجب أن تكون الاستراتيجية اللبنانية كالتالي: بيروت للمركز والاستهلاك المحلي، طرابلس للشمال والترانزيت الإقليمي والمنطقة الحرة، ومرافئ أصغر في الجنوب (صيدا وصور) لأغراض محددة كالصيد أو السياحة أو التجارة المحلية المحدودة.

الخاتمة: من التبذير الاقتصادي إلى الفتنة السياسية

إن الإصرار على مشروع كمرفأ كسروان وتجاهل مرفأ طرابلس يتجاوز كونه قراراً اقتصادياً كارثياً؛ إنه فعل سياسي بامتياز. إنه يرسخ في وعي أبناء الشمال أن الدولة تتعمد تهميشهم وحصارهم اقتصادياً لصالح مناطق أخرى. هذا الشعور بالظلم الممنهج يحوّل النقاش من الأرقام والجدوى إلى الكرامة والهوية. إنه يغذي منطق الانعزال ويقوي الدعوات الفيدرالية القائمة على العداء لا التكامل، ويخلق بيئة خصبة لنمو كل أشكال التطرف.

الاستثمار في مرفأ طرابلس اليوم ليس مجرد خيار اقتصادي سليم، بل هو ضرورة سياسية لإعادة بناء الثقة بالدولة، وتأكيد أن التنمية حق لكل اللبنانيين. أما الاستمرار في منطق “المرفأ لكل طائفة”، فهو وصفة أكيدة لتفتيت ما تبقى من وطن، وتحويل شواطئه من بوابات للتجارة والازدهار، إلى خطوط تماس لصراع قادم.

عن Rita Chahwan

ريتا بولس شهوان، صحافية وباحثة ساهمت في عدد من الكتب منها "الكويت وإرادة الاستقلال في الوثائق العثمانية" و "ماذا فعل مدحت باشا في الخليج"(ذات السلاسل) وعملت في عدد من الصحف والمواقع الالكترونية العربية. تلقت تدريبات دولية على الاستقصاء وتخصصت في الاستقصاء الاجتماعي – الاقتصادي كما تولي اهمية كبيرة للشأن السياسي.

شاهد أيضاً

من المخدرات إلى الأصول الرقمية: النيابة العامة التمييزية تعيد هندسة الأمن المالي اللبناني

لم تعد معركة مكافحة تبييض الأموال في لبنان مجرد ملاحقات قضائية تقليدية، بل تحولت إلى …