مهندس توازن الضعف كلنا : شيعة شيعة: سنة سنة: مسيحيين قبلهم: كيف استخدم عون مكونات الوطن لتدميرها

في تاريخ الأمم، هناك بناة يوحدون الصفوف، وهناك مهدمون يتقنون فن تفكيكها. إن التحالف الذي يُبنى على منطق “كسر الخصم” وليس “بناء الوطن”، يحوّل الشريك فيه من لاعب استراتيجي إلى أداة، وتكون مصيبته الكبرى هي نجاحه في تدمير الآخر، لأنه بذلك يدمر النسيج الذي هو نفسه جزء منه. هذه الفلسفة التدميرية لا تصف فقط مسار العماد ميشال عون السياسي، بل تشرح استراتيجيته الأساسية: هو لا يبني وطنًا، بل يستخدم مكوناته ليخلق “توازن ضعف” بينها، فيصبح هو اللاعب الوحيد القادر على التحرك في فراغ القوة الذي يصنعه.

المرحلة الأولى: بروفة التدمير – التحالف مع صدام حسين

في أواخر الحرب الأهلية، وجد عون في صدام حسين حليفًا ضد النفوذ السوري. لكن هذه “النافذة” لم تكن لبناء سيادة، بل كانت بروفة لاستراتيجيته القادمة. فبدلًا من توحيد اللبنانيين، استخدم الأسلحة العراقية لتطبيق منطق الكسر:

  1. كسر المكون المسيحي: شن “حرب إلغاء” ضد القوات اللبنانية، مدركًا أنه لا يمكنه الهيمنة على القرار المسيحي بوجود قوة أخرى.

  2. كسر الشراكة الوطنية: استهدف المكونات السنية والدرزية المتحالفة مع خصومه، مما عمّق الشرخ الطائفي.

النتيجة كانت تدميرًا ذاتيًا: مكون مسيحي منقسم، وعزلة سياسية تامة أدت إلى نفيه. لقد تعلم الدرس الأول: كسر الآخرين بنجاح يمنحك قوة مؤقتة، لكنه يتركك وحيدًا في النهاية.

المرحلة الثانية: استراتيجية “توازن الضعف” – التحالف مع حزب الله

بعد عودته عام 2005، وجد عون الساحة مهيأة لتطبيق نسخته المكتملة من استراتيجيته. المشهد كان مثاليًا: مكون سني يشعر بالضعف واليتم بعد اغتيال رفيق الحريري وتفكك مظلاته الإقليمية بسقوط بغداد، ومكون شيعي قوي عسكريًا ومنظم سياسيًا ممثلًا بحزب الله. هنا، لم يكن الهدف بناء تحالف شيعي-مسيحي متين، بل استخدام كل طرف لإضعاف الآخر وخلق توازن ضعف جديد.

الخطوة الأولى: كسر المكون السني بشكل ممنهج
من خلال “تفاهم مار مخايل”، وفر عون الغطاء المسيحي الذي احتاجه حزب الله لتنفيذ أجندته السياسية. أصبح هذا التحالف أداة لكسر المكون السني وتهميشه:

  • تم تعطيل الحكومات التي يترأسها السنة.

  • تم استخدام القوة السياسية (والعسكرية في 7 أيار) لمحاصرة تيار المستقبل.

  • تم إيصال البلاد إلى فراغ رئاسي لم ينتهِ إلا بفرض عون رئيسًا، في تتويج لعملية كسر الإرادة السياسية السنية.

كان السنة يشعرون بالضعف نتيجة اغتيال قياداتهم في لبنان وتفكك مظلاتهم الإقليمية، فجاء عون ليكمل هذه المهمة ويضمن تحييدهم كقوة سياسية فاعلة في المعادلة اللبنانية.

الخطوة الثانية: تفخيخ الحليف الشيعي وإجباره على الانكفاء
لم يكن عون حليفًا مخلصًا أبدًا. ففي ذروة تحالفه مع حزب الله، مارس لعبة مزدوجة خطيرة:

  1. الازدواجية الأمنية: أحاط نفسه بشخصيات ذات تاريخ مثير للجدل، مما خلق بيئة غير آمنة لحليفه الذي يخوض صراعًا وجوديًا مع إسرائيل. كشف شبكات التجسس في بيئات محسوبة عليه جعل “تفاهم مار مخايل” غطاءً سياسيًا مثقوبًا أمنيًا.

  2. التلاعب السياسي: كان يستخدم التحالف كورقة ضغط، بينما يبقي قنواته مفتوحة مع خصوم الحزب، مما أوصل رسالة واضحة لحزب الله: هذا الحليف غير موثوق.

هذه الاستراتيجية أجبرت حزب الله على تغيير خطابه وسلوكه. فبعد أن كان يطرح نفسه كقوة تحرير وطنية تسعى لـ “بناء الدولة” بعد عام 2000، دفعه غدر الحليف وشعوره بالعزلة إلى الانكفاء نحو حماية الذات الطائفية. وهنا وُلد شعار “شيعة شيعة”. لم يكن هذا الشعار مجرد هتاف، بل كان إعلانًا عن موت مشروع الدولة المشتركة، وتبنيًا لهوية دينية خالصة كآلية دفاعية. إنها النتيجة المباشرة لنهج عون: لقد حوّل حليفه من شريك في الوطن إلى طائفة تحمي نفسها، لأنه أثبت له أن “الوطن” مجرد ساحة للخيانة.

النتيجة النهائية: تعادل السنة والشيعة في الضعف

هنا تكتمل صورة استراتيجية عون التدميرية. بنهاية عهده، كان قد حقق هدفه الخفي:

  • المكون السني: ضعيف، مجروح، بلا قيادة كاريزمية، ومعزول عن محيطه العربي الذي كان داعمًا له.

  • المكون الشيعي: ضعيف عسكريًا، مخروق امنيا للنخاع بسبب ورقة التفاهم التي امنت غطائين: للعملاء ولحزب الله بالتالي انتشار فتقوقع فـ “شيعة شيعة”،  بالتالي أمن عزل سياسيًا ومشروع عزل اقتصادي، متوجس من حلفائه، ومنكفئ على هوية دينية دفاعية، ومحاصر بعقوبات دولية.

لقد خلق “تعادلاً في الضعف”. لا يوجد طرف قادر على قيادة مشروع وطني. السنة أضعف من أن يقودوا، والشيعة، بسبب العزلة التي ساهم عون في تكريسها، أصبحوا يركزون على حماية الذات لا على بناء الدولة. في هذا الفراغ، يصبح هو، “الزعيم المسيحي القوي”، الحكم واللاعب المحوري الذي لا يمكن تجاوزه.

 نجاح المهندس وفشل الوطن

لم يكن ميشال عون يبني وطنًا، بل كان مهندسًا يفكك مكوناته ليعيد تركيبها في معادلة تضمن له السلطة. لقد نجح في استراتيجيته، فالسنة والشيعة اليوم متعادلان في ضعفهما السياسي وبُعدهما عن أي مشروع وطني جامع. لكن نجاحه كان ثمنه وطنًا مفككًا، واقتصادًا منهارًا، ومجتمعًا ممزقًا بالهويات الطائفية القاتلة التي غذّاها بنفسه. لقد أثبت أن أذكى طريقة لتدمير بيت هي إقناع سكانه بأن عليهم هدم غرف بعضهم البعض ليضمنوا مساحتهم الخاصة.

عن Rita Chahwan

ريتا بولس شهوان، صحافية وباحثة ساهمت في عدد من الكتب منها "الكويت وإرادة الاستقلال في الوثائق العثمانية" و "ماذا فعل مدحت باشا في الخليج"(ذات السلاسل) وعملت في عدد من الصحف والمواقع الالكترونية العربية. تلقت تدريبات دولية على الاستقصاء وتخصصت في الاستقصاء الاجتماعي – الاقتصادي كما تولي اهمية كبيرة للشأن السياسي.

شاهد أيضاً

الأخبار»: هندسة «الغيريّة» واختراق الحصون الأكاديمية

في وقتٍ يبدو فيه الانقسام اللبناني أفقياً، يأتي العدد 5891 من جريدة «الأخبار» ليعكس محاولة …