تُظهر الوثائق والمصادر التاريخية أن العلاقة بين الجنرال ميشال عون والرئيس العراقي صدام حسين كانت علاقة مصلحة جيوسياسية متبادلة نشأت في ظل ظروف إقليمية معقدة خلال المرحلة الأخيرة من الحرب الأهلية اللبنانية. بناء عون لهذه العلاقة جاء كاستجابة براغماتية لحاجته لدعم خارجي في مواجهة النفوذ السوري في لبنان، واللعب مع “البعث” بالمطلق! (الذي تحول حبا مشرقيا في قلب جبران باسيل) بينما وجد صدام فيها فرصة لمواجهة حليف إيران الاستراتيجي في المنطقة. الدعم العراقي لعون تضمن 30 مليون دولار من المساعدات المالية ومعدات عسكرية متطورة، مما أتاح له شن “حرب التحرير” ضد القوات السورية في عامي 1989-1990. (علما ان كل تاريخه مبني كما نشرنا في ملف اليوم، على التجاذبات في الملف “البعثي” اي انه لا يمكن ان تكون هذه الحرب الا ورقة في توازن الضعف للوصول الى السلطة)
تطور الدعم العراقي لميشال عون من سبتمبر 1988 إلى أكتوبر 1990، يُظهر الدعم المالي والعسكري والتصعيد السياسي
بحسب الوزير السابق عصام أبو جمرة، تم توزيع مساعدة مالية إجمالية قدرها 30 مليون دولار كالتالي:
-
3 ملايين دولار: للقطاع العام.
-
15 مليون دولار: تم تحويلها لحساب زوجته.
-
12 مليون دولار: المبلغ المتبقي، والذي يُزعم أنه كان لاستخدامه الشخصي.
الخلفية الجيوسياسية والسياق التاريخي
الوضع الإقليمي في أواخر الثمانينيات
في أواخر الثمانينيات، كانت المنطقة تشهد تطورات جيوسياسية مهمة تأثرت بنتائج الحرب الإيرانية-العراقية التي انتهت في أغسطس 1988. العراق خرج من هذه الحرب منتصراً عسكرياً لكنه كان يواجه أزمة اقتصادية حادة بديون خارجية تراوحت بين 60 إلى 80 مليار دولار. هذا الوضع دفع صدام حسين للبحث عن وسائل لتعزيز موقعه الإقليمي والضغط على خصومه، وخاصة سوريا التي دعمت إيران خلال الحرب.
سوريا من جهتها كانت تسعى لتوطيد سيطرتها على لبنان من خلال اتفاق الطائف المرتقب، وكانت تواجه معارضة شديدة من القوات المسيحية بقيادة عون. هذا التنافس بين النظامين البعثيين في بغداد ودمشق، رغم الأيديولوجية المشتركة، خلق بيئة مثالية لتطوير العلاقة بين عون وصدام.
تعيين عون وبداية التحدي السوري
في 22 سبتمبر 1988، عيّن الرئيس المنتهية ولايته أمين الجميل الجنرال ميشال عون رئيساً للحكومة العسكرية المؤقتة في شرق بيروت. هذا التعيين شكل تحدياً مباشراً للنفوذ السوري في لبنان، حيث رفض المسلمون الاعتراف بحكومة عون وواصلوا دعم حكومة سليم الحص في غرب بيروت.
عون، الذي كان قائداً للجيش اللبناني منذ 1984، أعلن منذ البداية هدفه في “تحرير لبنان من جميع القوى الأجنبية” في إشارة واضحة للقوات السورية البالغ عددها 40,000 جندي. هذا الموقف جعله يبحث عن حليف إقليمي قوي يمكنه مواجهة النفوذ السوري-الإيراني في المنطقة.
استراتيجية بناء العلاقة مع العراق
المرحلة الأولى: التواصل والاستطلاع (أكتوبر 1988 – فبراير 1989)
بدأت العلاقة بين عون والعراق تتطور تدريجياً خلال الأشهر الأولى من حكمه. العراق، الذي كان يبحث عن وسائل للضغط على سوريا والانتقام منها لدعمها إيران، رأى في عون أداة مثالية لتحقيق هذا الهدف. الدعم العراقي الأولي تمثل في تسهيل وصول الإمدادات والأسلحة للقوات المسيحية عبر الأردن.
خلال هذه المرحلة، تم تأسيس قنوات اتصال بين بغداد وشرق بيروت، وبدأ التخطيط لدعم أكثر تنظيماً وشمولية. المصادر تشير إلى أن العراق قدم في هذه المرحلة مساعدات مالية أولية لدفع رواتب الجنود في الجيش اللبناني الذي يسيطر عليه عون.
المرحلة الثانية: الدعم المالي والعسكري الكبير (مارس – يوليو 1989)
مع إعلان عون “حرب التحرير” في 14 مارس 1989، تصاعد الدعم العراقي بشكل كبير. وفقاً لشهادة الوزير السابق إسام أبو جمرا، قدم صدام حسين لعون مبلغ 30 مليون دولار كمساعدة لدفع رواتب جنود الجيش اللبناني. هذا المبلغ الضخم يعكس الأهمية الاستراتيجية التي أولاها العراق لدعم عون ضد سوريا.
توزيع الدعم المالي العراقي البالغ 30 مليون دولار لميشال عون حسب شهادة إسام أبو جمرا
الدعم العسكري العراقي كان أكثر تفصيلاً وتنوعاً. وفقاً للمصادر الصحافية الأمريكية، شمل هذا الدعم:
-
40-60 دبابة من طرازي T-54 و T-55
-
18 مدفعاً عيار 130 مم
-
مدافع عيار 122 مم وذخائرها
-
قاذفات صواريخ متعددة BM-21 Grad (18 قاذفة)
-
صواريخ أرض-أرض من طراز Frog-7 قادرة على ضرب دمشق
هذه الأسلحة كانت تُنقل عبر طريق معقد يبدأ من العراق ويمر عبر الأردن، حيث يتم شحنها من ميناء العقبة عبر قناة السويس إلى الموانئ المسيحية شمال بيروت.
الأبعاد السياسية والدبلوماسية
العلاقة لم تقتصر على الدعم المالي والعسكري، بل امتدت لتشمل أبعاداً سياسية ودبلوماسية. الحدث الأكثر رمزية كان الاحتفال الذي أقامته السفارة العراقية في شرق بيروت في 23 يوليو 1989 بمناسبة الذكرى الـ21 لوصول حزب البعث للسلطة في العراق. في هذا الاحتفال، وقف عون تحت صورة كبيرة لصدام حسين وقطع كعكة مصممة على شكل العلم العراقي، في مشهد يُظهر عمق التحالف السياسي بين الطرفين.
هذا الحدث لم يكن مجرد مجاملة بروتوكولية، بل رسالة سياسية واضحة للمنطقة بأن عون قد ربط مصيره بالمحور العراقي في مواجهة المحور السوري-الإيراني. حضور عون لهذا الاحتفال جاء في وقت كانت فيه “حرب التحرير” في أوجها، مما أعطى دلالة أكبر لهذا التحالف.
التطورات العسكرية وحرب التحرير
إعلان الحرب والاستراتيجية العسكرية
في 14 مارس 1989، أعلن عون رسمياً “حرب التحرير” ضد القوات السورية. هذا الإعلان جاء بعد محاولته إغلاق الموانئ غير الشرعية التي تديرها الميليشيات المسلمة والدرزية، والتي كانت تحرم الدولة من عائدات تقدر بـ100 مليون دولار سنوياً.
الاستراتيجية العسكرية لعون اعتمدت بشكل كبير على الأسلحة العراقية المتطورة. القوات تحت قيادته، والتي ضمت حوالي 15,000 جندي من الجيش اللبناني إضافة إلى 10,000 مقاتل من “القوات اللبنانية”، كانت مجهزة بمعدات عسكرية متفوقة على ما كان متاحاً سابقاً.
التصعيد والضغوط الإقليمية
الدعم العراقي مكّن عون من الصمود أمام الحصار السوري وشن هجمات مضادة فعالة. لكن هذا التصعيد أثار قلق دول المنطقة والمجتمع الدولي. الجامعة العربية تدخلت لوقف تدفق الأسلحة، وفي 2 يوليو 1989، أعلن العراق رسمياً وقف إرسال الأسلحة للقوات المسيحية تحت الضغط العربي.
الجدول الزمني للأحداث الرئيسية في علاقة ميشال عون بصدام حسين من 1988 إلى 1990
لكن هذا الإعلان لم يوقف الدعم العراقي بالكامل. التقارير تشير إلى استمرار وصول بعض الإمدادات حتى سبتمبر 1989، وإن كان بوتيرة أقل من السابق. “حرب التحرير” استمرت حتى 23 سبتمبر 1989، مخلفة حوالي 900 قتيل وآلاف الجرحى قبل أن تنتهي بوقف إطلاق نار بوساطة عربية.
تحليل المصالح المتبادلة
المصالح العراقية
من منظور عراقي، كان دعم عون يحقق عدة أهداف استراتيجية:
أولاً: الضغط على سوريا والانتقام منها لدعمها إيران خلال الحرب. هذا الانتقام لم يكن مجرد رد فعل عاطفي، بل استراتيجية محسوبة لإضعاف النفوذ السوري في المنطقة.
ثانياً: تعزيز الموقع الإقليمي للعراق كقوة مؤثرة في شؤون بلاد الشام. دعم عون أظهر قدرة العراق على التأثير في الأحداث اللبنانية رغم المسافة الجغرافية.
ثالثاً: إثبات أن العراق لا يزال قوة إقليمية مؤثرة رغم الديون والتحديات الاقتصادية التي واجهها بعد الحرب مع إيران.
المصالح اللبنانية (من منظور عون)
بالنسبة لعون، كان التحالف مع العراق ضرورة وجودية لعدة اعتبارات:
أولاً: الحاجة لدعم عسكري ومالي لمواجهة التفوق السوري الكاسح. الجيش اللبناني تحت قيادة عون كان يواجه 40,000 جندي سوري مدعومين بميليشيات لبنانية مسلحة ومدربة.
ثانياً: البحث عن بديل للدعم الغربي المحدود. الولايات المتحدة وفرنسا كانتا ترددان في تقديم دعم عسكري مباشر خوفاً من تصعيد الصراع.
ثالثاً: الرغبة في إظهار أن المسيحيين اللبنانيين لديهم حلفاء أقوياء في المنطقة، مما يعزز موقفهم التفاوضي مع الأطراف الأخرى.
العوامل الجيوسياسية المؤثرة
العلاقة بين عون وصدام لا يمكن فهمها دون استيعاب طبيعة التنافس بين النظامين البعثيين في بغداد ودمشق. رغم الأيديولوجية المشتركة، كان هناك تنافس حاد على قيادة العالم العربي والهيمنة الإقليمية.
سوريا دعمت إيران خلال الحرب الإيرانية-العراقية، مما عمق الخلاف مع العراق. عندما انتهت الحرب في 1988، كان صدام يبحث عن وسائل للانتقام من سوريا، ووجد في عون الأداة المثالية لهذا الغرض.
الموقف الأمريكي من العلاقة بين عون وصدام مر بمراحل مختلفة. في البداية، كانت واشنطن متردde في اتخاذ موقف واضح، خاصة أن صدام كان حتى 1989 يُعتبر حليفاً للغرب في مواجهة إيران.
لكن غزو العراق للكويت في 2 أغسطس 1990 غيّر المعادلة تماماً. الولايات المتحدة أعطت “الضوء الأخضر” لسوريا لإنهاء تمرد عون مقابل انضمام دمشق لتحالف تحرير الكويت. هذا التطور كان نقطة التحول الحاسمة في مصير عون وعلاقته مع العراق.
إيران لعبت دوراً غير مباشر لكنه مؤثر في هذه العلاقة. دعمها لسوريا وحزب الله جعلها في مواجهة غير مباشرة مع عون. الحرس الثوري الإيراني، الذي كان له وجود في لبنان منذ 1982، ساهم في تدريب وتسليح الميليشيات المؤيدة لسوريا ضد عون.
التداعيات والنتائج
الأثر على الحرب الأهلية اللبنانية
العلاقة بين عون وصدام أدت إلى تصعيد كبير في المرحلة الأخيرة من الحرب الأهلية اللبنانية. “حرب التحرير” التي استمرت من مارس إلى سبتمبر 1989 خلفت مئات القتلى وآلاف الجرحى، وزادت من معاناة المدنيين اللبنانيين.
من ناحية أخرى، هذا التحالف ساهم في إجبار القوى الإقليمية والدولية على التحرك لإيجاد حل سياسي للصراع اللبناني. اتفاق الطائف في أكتوبر 1989 جاء جزئياً كاستجابة للتصعيد الذي نتج عن الدعم العراقي لعون.
الأثر على التوازنات الإقليمية
العلاقة أظهرت قدرة العراق على التأثير في أحداث بلاد الشام، وعزت من مخاوف سوريا وإيران من التوسع العراقي في نفوذهما التقليدي. هذا التنافس ساهم لاحقاً في تشكيل تحالفات إقليمية جديدة استمرت حتى بعد سقوط صدام حسين.
من الناحية اللبنانية، العلاقة عززت من الانقسام الطائفي والسياسي، حيث ربط عون المسيحيين اللبنانيين بمحور إقليمي معين، مما أثر على ديناميكيات السياسة اللبنانية لعقود لاحقة.
سقوط التحالف ونهاية العلاقة
تأثير غزو الكويت
غزو العراق للكويت في 2 أغسطس 1990 كان بمثابة ناقوس موت العلاقة بين عون وصدام. هذا العمل حول العراق من حليف محتمل للولايات المتحدة إلى عدو استراتيجي، مما غيّر كل المعادلات الإقليمية.
الولايات المتحدة، التي كانت تتعامل مع عون بحذر، أصبحت الآن ترى فيه امتداداً للنظام العراقي الذي تحارب ضده. هذا التغيير في الموقف الأمريكي أعطى سوريا الفرصة الذهبية للتخلص من عون نهائياً.
الهجوم الأخير وسقوط عون
في 13 أكتوبر 1990، شنت القوات السورية مدعومة بوحدات من الجيش اللبناني الموالي لحكومة الطائف هجوماً شاملاً على القصر الجمهوري في بعبدا. عون، المحروم من دعمه العراقي ومواجه لتحالف دولي ضده، لم يستطع الصمود أكثر من يوم واحد.
في 13 أكتوبر، لجأ عون إلى السفارة الفرنسية، منهياً بذلك فصلاً مهماً من تاريخ لبنان والمنطقة. نفيه اللاحق إلى فرنسا لمدة 15 عاماً أنهى ليس فقط حكمه، بل أيضاً التحالف الاستراتيجي الذي بناه مع العراق.
الخلاصة والتقييم التاريخي
العلاقة بين ميشال عون وصدام حسين تُظهر كيف يمكن للظروف الجيوسياسية أن تخلق تحالفات غير متوقعة بين قادة لا يتشاركون بالضرورة نفس الأيديولوجية أو الخلفية الثقافية. عون، الضابط المسيحي الماروني، وجد في الديكتاتور العراقي السني حليفاً استراتيجياً ضد خصمهما المشترك في دمشق.
هذا التحالف، رغم قصر مدته (1988-1990)، كان له تأثير عميق على مجريات الأحداث في لبنان والمنطقة. الدعم العراقي مكّن عون من شن “حرب التحرير” وتحدي الهيمنة السورية بشكل غير مسبوق، لكنه في النهاية ساهم في سقوطه عندما تغيرت التوازنات الإقليمية والدولية.
الدروس المستفادة من هذه العلاقة تتجاوز السياق اللبناني لتشمل فهماً أعمق لديناميكيات التحالفات في الشرق الأوسط، حيث المصالح الجيوسياسية غالباً ما تتغلب على الاعتبارات الأيديولوجية أو الثقافية. كما تُظهر كيف يمكن للأحداث الإقليمية الكبرى، مثل غزو الكويت، أن تعيد تشكيل التحالفات وتغير مصائر القادة والأنظمة في المنطقة.