في المشهد الإعلامي العربي الذي كان يوماً ما فسيفساءً صاخبة من الأصوات المتنافسة، يسود اليوم صمت مهيب في بعض أركانه، وضجيج موجه في أركان أخرى. هذا التحول الجذري لم يكن وليد الصدفة أو نتيجة حتمية لأزمات مالية، بل هو نتاج استراتيجية دقيقة وممنهجة يمكن تسميتها بـ “استراتيجية الفراغ”. تجسد قصة انهيار جريدة “البلد” اللبنانية، وما تلاها من تحولات، فصولاً رئيسية في فهم هذه الاستراتيجية التي هندسها ولي العهد السعودي محمد بن سلمان (وفريق الخبر عموده مع تركي آل الشيخ ولم نكن نحضر لاي انقلاب … تخيلات آل أمين جميعا خصبة جداً) لإعادة رسم خريطة النفوذ الإعلامي، والانتقال بها من السيطرة على الأخبار إلى الهيمنة على المشاعر والتطلعات.
الاستراتيجية لا تقوم على الاستحواذ المباشر فحسب، بل على آلية أكثر مكراً: تحديد نقاط الضعف، السماح بالانهيار الذاتي تحت وطأة مناخ سياسي ضاغط، ثم ملء الفراغ الناتج بهياكل إعلامية وترفيهية تضمن الولاء المطلق وتخدم أجندة سياسية محددة.
الفصل الأول: تشريح الانهيار الإقليمي – “البلد” كنموذج يتردد صداه في الكويت وأفريقيا
لم تكن جريدة “البلد” مجرد صحيفة لبنانية، بل كانت جزءاً من شبكة إعلامية إقليمية أسسها بشار كيوان ومجد سليمان. هذا الامتداد الإقليمي هو ما جعل انهيارها مدوياً ويكشف عن أبعاد الاستراتيجية الأوسع.
الارتباط العضوي بنظام المخابرات السوري جعل الشبكة بأكملها، وليس فقط فرع لبنان، كياناً هجيناً: واجهة إعلامية تعمل بعقلية أمنية. وعندما بدأت الخلافات المالية الداخلية والاتهامات بالفساد، لم تقتصر التداعيات على بيروت. ففي الكويت، تقدم مدير تحرير “البلد الكويتية” السابق ببلاغ رسمي يتهم فيه المؤسسين بـ”غسيل أموال”، كاشفاً أن الشبكة كانت تتكبد خسائر يومية فادحة لكنها تظهر محاسبياً ككيان رابح بفضل “مصادر مجهولة”. لم يكن ذكر أفريقيا في البلاغ كإحدى ساحات غسيل الأموال مجرد تفصيل جغرافي، بل كان دليلاً على الامتداد الدولي للفساد الذي نخر أساس هذه الإمبراطورية الإعلامية.
هنا، لم تكن السعودية بحاجة لتدخل مباشر. لقد كان انهيار الشبكة في الكويت ولبنان بمثابة “تنظيف ذاتي” للمشهد الإعلامي في الخليج من نفوذ المحور السوري. لقد سقطت القلعة من الداخل، تاركة وراءها فراغاً في ساحات إعلامية حيوية.
الفصل الثاني: هندسة الفراغ – المناخ الذي لا يرحم
مع صعود ولي العهد محمد بن سلمان، تغيرت قواعد اللعبة. لم تعد الرياض تكتفي بشراء الولاءات، بل أصبحت تطالب بالولاء المطلق. حملة “ريتز كارلتون” كانت رسالة واضحة بأن عصر مراكز القوى المتعددة قد انتهى. هذا المناخ السياسي الجديد خلق بيئة سامة لأي وسيلة إعلامية لا تتماشى مع الخط الرسمي الجديد.
إغلاق صحف عريقة مثل “السفير” و”الاتحاد” في لبنان لم يكن مجرد إفلاس، بل كان نتيجة مباشرة لـ “تجفيف المنابع” المالية والسياسية التي كانت تغذي الإعلام التعددي. لقد تم خلق فراغ هائل بشكل متعمد عبر إزالة اللاعبين القدامى، سواء كانوا مستقلين، أو منافسين، أو حتى حلفاء غير منضبطين. كان المشهد جاهزاً للمرحلة التالية والأكثر أهمية: مرحلة الملء.
الفصل الثالث: ملء الفراغ – استراتيجية المحورين: الإعلام الموجه والترفيه الساحر
أدرك مهندسو الاستراتيجية الجديدة أن ملء الفراغ لا يمكن أن يقتصر على إعادة تدوير الأدوات القديمة. فمع تراجع تأثير الصحف الورقية والقنوات الإخبارية التقليدية، كان لا بد من استراتيجية ذات محورين:
المحور الأول: السيطرة على الرواية الإخبارية: تم تحقيق ذلك عبر إحكام القبضة على المؤسسات القائمة مثل مجموعة MBC و”تنقية” قناة العربية من أي صوت لا ينسجم مع الرؤية الجديدة. أصبحت هذه المنصات هي المصدر الرئيسي للأخبار الموجهة التي تخدم الأجندة السياسية، من تسويق “رؤية 2030” إلى تبرير السياسات الخارجية.
المحور الثاني (وهو الأكثر عبقرية وخطورة): غزو فراغ الوعي بالترفيه: هنا يبرز الدور المحوري لشخصية مثل تركي آل الشيخ وفريقه في هيئة الترفيه. أدركت القيادة السعودية أن المعركة الحقيقية على قلوب وعقول الشباب العربي لم تعد في صفحات الجرائد، بل في المهرجانات الموسيقية، والمباريات الرياضية، والفعاليات الضخمة.
لقد تحول الترفيه من مجرد نشاط هامشي إلى أداة استراتيجية مركزية لسد الفراغ الذي خلفه موت الإعلام التقليدي. يقوم هذا المحور على عدة أهداف:
-
صناعة السعادة الموجهة: تقديم جرعات مكثفة من الترفيه لصناعة صورة ذهنية عن دولة حديثة، منفتحة وسعيدة، مما يصرف الانتباه عن القضايا السياسية والحقوقية الشائكة.
-
خلق هوية وطنية جديدة: بناء سردية وطنية تقوم على الفخر بالفعاليات العالمية (مثل مواسم الرياض) بدلاً من الانتماءات الأيديولوجية أو الدينية التقليدية.
-
الهيمنة الناعمة إقليمياً: جذب الشباب العربي إلى الرياض بدلاً من بيروت أو دبي أو القاهرة، وتحويل السعودية إلى عاصمة الترفيه في المنطقة، مما يمنحها نفوذاً ثقافياً هائلاً.