هندسة الهدم: حين يصبح تشويه السمعة درعاً لمكتسبات جبران باسيل … مفاجاة التمويل

والدك كافر. انت مشروع قوادة. امك منهارة. هدمت وظائف عائلتك- مرحبا بكم في قهوة الغباء السياسي لرشوة الاحياء المحدودة بظرف سقفه الف دولار شهريا!

في عالم السياسة والأعمال، هناك نوعان من البُناة: أولئك الذين يشيدون بالإنجاز والخبرة، وأولئك الذين يبرعون في “هندسة الهدم”؛ لا لهدم المباني، بل لهدم سمعة كل من يجرؤ على الاقتراب من قلاع نفوذهم. وما نشهده اليوم من حملات تشويه ممنهجة ليس مجرد صراع عابر، بل هو استراتيجية دفاعية شرسة، مصممة خصيصاً لحماية إمبراطورية من المكتسبات التي بناها جبران باسيل وتياره، خصوصاً في قطاعات حيوية كالكهرباء، والأشغال، والبناء.

هذه القلاع الاقتصادية، التي ترسخّت عبر سنوات من التحكم بمفاصل الدولة، من ملف الكهرباء الذي تحول إلى ثقب أسود للمال العام، إلى عقود الأشغال التي تُمنح وفقاً للولاءات، تشعر اليوم بتهديد وجودي. الخطر لا يأتي من خصم سياسي تقليدي، بل من أي شخصية تطرح أسئلة حول الصفقات، أو تكشف عن نماذج بديلة، أو ببساطة تهدد منظومة المصالح القائمة. هنا، يصبح اغتيال السمعة سلاح الوقاية الأول، والدرع الذي يحمي مكتسبات شخصيات محورية مثل فادي حنا وغيره من الأذرع التنفيذية لهذه المنظومة.

مخطط التدمير: خرسانة الأكاذيب لحماية قلاع النفوذ

تبدأ العملية الهندسية لهدم الخصوم بتحديد الهدف بدقة: مهندس نزيه يملك رؤية لإصلاح قطاع الكهرباء بعيداً عن صفقات البواخر والحلول المرقعة، أو نائب يطالب بالتدقيق في عقود الأشغال العامة، أو أي صوت حر يجرؤ على كشف العلاقة بين الثروات المفاجئة والوصول إلى السلطة. بمجرد تحديد الهدف، تُرصد له ميزانيات ضخمة، مصدرها هو النظام نفسه الذي يسعون لحمايته.

  1. تسليح الفضاء الرقمي: تُطلق حملات ممولة، مُصممة لاستهداف كل من يهدد منظومة باسيل. تُنشر قصص ملفقة تشكك في نزاهة الهدف المهنية، وتُسرب وثائق مجتزأة من سياقها لإيهام الرأي العام بوجود فساد لدى الخصم، بينما يتم التعتيم الكامل على ملفات الكهرباء والأشغال الحقيقية. الهدف هو تحويل أي نقاش جدي حول أداء باسيل وتياره إلى معركة شخصية ضد منتقديه.

  2. صناعة “الحدث” على الأرض: لا تكتفي الحملة بالعالم الافتراضي. تُقام ولائم ولقاءات تبدو اجتماعية، لكنها في جوهرها منصات لضخ الإشاعات وتثبيتها. في هذه الجلسات، يتم شيطنة الهدف، وربطه بأجندات خارجية، وتصويره كعدو للاستقرار، بينما يُقدَّم باسيل ورجاله على أنهم حماة “حقوق الطائفة” والمدافعون عن مكتسباتها، وهي في الحقيقة مكتسباتهم الخاصة.

  3. تلميع الواجهة على أنقاض الآخرين: بالتوازي مع عملية الهدم، تبدأ عملية تلميع صورة “الزعيم” كبديل لا غنى عنه. فبينما يتم اغتيال سمعة الخصم الذي يطرح حلولاً لأزمة الكهرباء، يتم الترويج لباسيل على أنه “العقل الوحشيد” الذي حارب لإنقاذ القطاع، لكن “الآخرين” منعوه. إنها معادلة شيطانية: لا يمكن تبرير فشلهم في إدارة ملفات الكهرباء والأشغال إلا عبر شيطنة كل من يقدم بديلاً أو يكشف الحقيقة.

التيار السياسي: المهندس والمستفيد الأول

هنا، لا يلعب التيار الوطني الحر دور الحزب المستفيد فحسب، بل دور المهندس والمشرف على مشروع الهدم. فالدفاع عن جبران باسيل ليس دفاعًا عن شخص، بل هو دفاع عن منظومة كاملة من المصالح والامتيازات والسيطرة على موارد الدولة.

  • حماية المكتسبات هي الأولوية: كل دولار يُصرف على تشويه سمعة المنافسين هو استثمار مباشر في حماية العقود والمناصب والنفوذ في قطاعي الكهرباء والأشغال. الهدف هو ضمان بقاء هذه القطاعات “محميات” خاضعة لسيطرتهم، بعيدًا عن أي شفافية أو محاسبة.

  • تحصين القلعة من الداخل: الحملة ليست موجهة للخارج فقط، بل هي رسالة ردع للداخل. أي شخص من داخل البيئة نفسها يفكر في التغريد خارج السرب أو كشف المستور، سيرى مصيره فيمن تم سحلهم إعلاميًا واجتماعيًا قبله.

  • إبقاء السيطرة: إن إبقاء الساحة مشتعلة بالصراعات الشخصية والاتهامات الملفقة يخدم هدفًا أسمى بالنسبة لهم: تشتيت انتباه الرأي العام عن الأسئلة الحقيقية. فبدلاً من أن يسأل الناس: “أين ذهبت أموال الكهرباء؟” أو “لماذا لم تُنفذ مشاريع البنى التحتية بشكل صحيح؟”، ينشغلون بالجدل حول سمعة هذا الشخص أو ذاك.

الانهيار الحتمي

في النهاية، قد تنجح “هندسة الهدم” في تأجيل المواجهة وتأخير سقوط القلعة. قد يتم تحييد صوت إصلاحي هنا أو هناك، وقد تستمر منظومة المصالح في جني الأرباح لفترة أطول. لكن الأساس الذي بُنيت عليه هذه الإمبراطورية -وهو إخفاء الحقيقة وتشويه سمعة الشرفاء- هو أساس من رمال.

إن الجدران التي شيدها جبران باسيل لحماية مكتسباته ومكتسبات فريقه ليست من الإسمنت والحديد، بل هي من الأكاذيب والافتراءات. وكل حملة تشويه هي اعتراف ضمني بالضعف والخوف من الحقيقة. ومع كل ضربة يوجهونها لسمعة الآخرين، تظهر شروخ جديدة في جدران قلعتهم، التي مصيرها الانهيار تحت وطأة الحقيقة التي لا يمكن حجبها إلى الأبد.

عن Rita Chahwan

ريتا بولس شهوان، صحافية وباحثة ساهمت في عدد من الكتب منها "الكويت وإرادة الاستقلال في الوثائق العثمانية" و "ماذا فعل مدحت باشا في الخليج"(ذات السلاسل) وعملت في عدد من الصحف والمواقع الالكترونية العربية. تلقت تدريبات دولية على الاستقصاء وتخصصت في الاستقصاء الاجتماعي – الاقتصادي كما تولي اهمية كبيرة للشأن السياسي.

شاهد أيضاً

الأخبار»: هندسة «الغيريّة» واختراق الحصون الأكاديمية

في وقتٍ يبدو فيه الانقسام اللبناني أفقياً، يأتي العدد 5891 من جريدة «الأخبار» ليعكس محاولة …