تصفية رجال الأمن الذين كشفوا شبكات التجسس: حالات مميتة أدت إلى حروب وهزائم

يمثل اغتيال ضباط الأمن والاستخبارات الذين كشفوا شبكات تجسسية أحد أخطر السيناريوهات في عالم الاستخبارات الدولية. هذه الجرائم لا تقتصر على إسكات الشهود فحسب، بل تمهد الطريق لإعادة تفعيل شبكات التجسس وتؤدي أحياناً إلى عواقب كارثية تشمل حروباً وهزائم عسكرية. فيما يلي استعراض لأبرز الحالات الموثقة في هذا السياق.

الصين: التصفية المنهجية لشبكة CIA

بين عامي 2010 و2012، نفذت الصين واحدة من أكثر عمليات التصفية دموية في تاريخ الاستخبارات الأمريكية الحديثة. قامت السلطات الصينية بتفكيك شبكة CIA بأكملها في البلاد، مما أسفر عن قتل أو سجن ما لا يقل عن 18 إلى 20 مصدراً استخباراتياً، وتشير تقديرات لاحقة إلى أن العدد الحقيقي قد يصل إلى 30 ضحية أو أكثر.

في إحدى أكثر الحالات وحشية، تم إعدام أحد المخبرين رمياً بالرصاص في ساحة مبنى حكومي أمام زملائه كرسالة تحذيرية لمن قد يتعاونون مع CIA. كشفت التحقيقات أن الاختراق نتج عن ثغرة في نظام الاتصالات السرية الذي استخدمته CIA للتواصل مع عملائها، وهو نظام تم استيراده من عمليات الشرق الأوسط بافتراض أنه لا يمكن اختراقه.

​النتائج كانت كارثية: تم تدمير شبكة استخباراتية استغرق بناؤها سنوات، وفقدت الولايات المتحدة قدرتها على جمع المعلومات الحيوية عن الصين لسنوات طويلة. الأكثر إثارة للقلق أن إيران شاركت هذه المعلومات مع الصين، مما أدى إلى تفكيك شبكات CIA في إيران أيضاً، حيث تم إعدام أو سجن عشرات المخبرين الإيرانيين.

لبنان وحزب الله: استهداف شبكات التجسس الأمريكية

في عام 2011، كشفت تقارير عن خسارة الولايات المتحدة لأكثر من دزينة من الجواسيس الذين كانوا يعملون لصالح CIA في إيران ولبنان، حيث تم القبض عليهم من قبل حزب الله والمخابرات الإيرانية. كان هؤلاء المخبرون يستهدفون البرنامج النووي الإيراني ونوايا حزب الله ضد إسرائيل.

وفقاً لروبرت باير، ضابط CIA السابق الذي عمل ضد حزب الله في الثمانينيات، فإن حزب الله عادة ما يقوم بإعدام الأفراد المشتبه بهم أو الذين يتم القبض عليهم وهم يتجسسون. قال باير: “إذا كانوا جواسيس حقيقيين يتجسسون ضد حزب الله، فأعتقد أننا لن نراهم مرة أخرى. هؤلاء الرجال لا يرحمون ولا يغفرون”.

باكستان: مقتل ضباط ISI الذين كشفوا شبكات إرهابية

في يناير 2023، تم اغتيال ضابطين من المخابرات الباكستانية (ISI) في مقاطعة البنجاب، وهما مدير منطقة ملتان نافيد صادق والمفتش نصير عباس. كان الضابطان يعملان على تفكيك شبكة إرهابية في جنوب البنجاب عندما تم إطلاق النار عليهما من قبل مصدر كانا يلتقيان به.

وفقاً لتقرير الشرطة، بعد تناول الشاي، قام المصدر المعروف باسم عمر خان بسحب مسدس وأطلق النار على ضابطي ISI. أعلنت حركة طالبان باكستان (TTP) ومجموعة لشكر خراسان مسؤوليتهما عن الهجوم. كان نافيد صادق قد حصل على وسام ستارة شجاعت تقديراً لخدماته، وكان معروفاً بكشفه لشبكات رئيسية للمنظمات المحظورة، بما في ذلك تفكيك شبكة تنظيم الدولة الإسلامية في فيصل آباد.

​

إيران: إعدام الجواسيس الذين تم كشفهم

في يوليو 2019، أعلنت إيران أنها اعتقلت 17 جاسوساً كانوا يعملون لصالح CIA، وحكمت على بعضهم بالإعدام. كان جميع المشتبه بهم إيرانيين يعملون في “مراكز حساسة” في البلاد، بما في ذلك المجالات الاقتصادية والنووية والبنية التحتية والعسكرية والإلكترونية.

في فبراير 2020، أكد المتحدث باسم السلطة القضائية الإيرانية أن الحكم بالإعدام على أمير رحيم بور، المتهم بالتجسس لصالح CIA ومحاولة تمرير معلومات نووية إلى الولايات المتحدة، قد تم تأييده من قبل المحكمة العليا وسينفذ قريباً. حُكم على اثنين آخرين بالسجن لمدة 10 و5 سنوات على التوالي.

أفغانستان: عمليات الانتقام الممنهجة من قبل طالبان

بعد سيطرة طالبان على أفغانستان في أغسطس 2021، نفذت الحركة عمليات انتقامية واسعة النطاق ضد أفراد قوات الأمن السابقين، على الرغم من الوعود بالعفو. وفقاً لتقرير منظمة هيومن رايتس ووتش، قامت قوات طالبان بإعدام أو إخفاء أكثر من 100 من ضباط الشرطة والاستخبارات السابقين في أربع مقاطعات فقط خلال الأشهر الأولى بعد استيلائها على السلطة.​

استخدمت طالبان السجلات الوظيفية التي تركتها الحكومة الأفغانية السابقة لتحديد الأشخاص للاعتقال والإعدام. في إحدى الحالات الموثقة في مدينة قندهار في أواخر سبتمبر، ذهبت قوات طالبان إلى منزل باز محمد، الذي كان يعمل في مديرية الأمن الوطني (NDS)، واعتقلته. وجد أقاربه جثته لاحقاً.

اليمن: كشف شبكات التجسس المرتبطة بإسرائيل والولايات المتحدة

في عام 2024 و2025، أعلنت قوات الأمن اليمنية التابعة للحوثيين عن تفكيك عدة شبكات تجسسية مرتبطة بـCIA والموساد الإسرائيلي. في يناير 2025، أعلنت قوات الأمن اليمنية عن تفكيك شبكة تجسس واسعة متهمة بالعمل لصالح بريطانيا والسعودية، حيث كان الجواسيس مكلفين بجمع معلومات حساسة عن المنشآت الاستراتيجية في اليمن، بما في ذلك منصات إطلاق الصواريخ وعمليات الطائرات بدون طيار.

كما كشف الحوثيون في ديسمبر 2024 عن شبكة جواسيس مرتبطة بالموساد وCIA، كانت مكلفة بتتبع تحركات القادة العسكريين والسياسيين، بما في ذلك زعيم الحوثيين عبد الملك الحوثي. حذرت السلطات اليمنية من عقوبات شديدة، بما في ذلك عقوبة الإعدام، لأولئك الذين يتعاونون مع وكالات الاستخبارات الأجنبية المعادية.

روسيا وبريطانيا: تسميم الجواسيس المنشقين

قضية ألكسندر ليتفينينكو (2006)

في نوفمبر 2006، تم تسميم ألكسندر ليتفينينكو، ضابط KGB السابق الذي أصبح مواطناً بريطانياً وناقداً شرساً للرئيس فلاديمير بوتين، بمادة البولونيوم-210 المشعة. توفي ليتفينينكو في 23 نوفمبر بعد ثلاثة أسابيع من شرب الشاي الملوث خلال اجتماع مع رجلين روسيين في فندق ميلينيوم في لندن.

أظهرت الأدلة العلمية وجود آثار من البولونيوم في أكثر من 40 موقعاً في لندن وخارجها. كان ليتفينينكو يعمل لصالح الخدمات الأمنية البريطانية وكان قد أنتج تقارير تربط بوتين ومقربيه بعصابات إجرامية. من فراش موته، اتهم ليتفينينكو بوتين بالمسؤولية عن مقتله.

​

قضية سيرغي سكريبال (2018)

في مارس 2018، تم تسميم سيرغي سكريبال، جاسوس روسي سابق مزدوج، وابنته يوليا بعامل الأعصاب نوفيتشوك في مدينة ساليسبري البريطانية. وفقاً للسلطات البريطانية، قام عملاء من جهاز المخابرات العسكرية الروسية GRU بالسفر إلى بريطانيا ورش مادة نوفيتشوك على مقبض باب منزل سكريبال.

حددت الشرطة البريطانية ثلاثة مشتبه بهم يستخدمون أسماء مستعارة: ألكسندر بتروف، رسلان بوشيروف، وسيرغي فيدوتوف (الذي تبين أن اسمه الحقيقي دينيس سيرغييف). في مقابلة مع قناة RT الروسية، ادعى اثنان من المشتبه بهم أنهما كانا سياحاً جاءا لزيارة كاتدرائية ساليسبري.

العواقب الاستراتيجية والعسكرية

فشل استخباراتي وعواقب عسكرية

كان لتصفية شبكات التجسس وإعادة تجنيدها عواقب استراتيجية وعسكرية كبيرة:

فشل الاستخبارات في العراق: اعتمدت الاستخبارات الأمريكية على مصادر غير موثوقة مثل “كيرفبول”، وهو منشق عراقي اخترع معلومات عن أسلحة الدمار الشامل العراقية للحصول على تأشيرة إقامة في ألمانيا. أدى هذا الفشل الاستخباراتي إلى الحرب على العراق عام 2003 وما نتج عنها من عواقب كارثية.

روسيا في أوكرانيا: شهد عام 2022 فشلاً استخباراتياً روسياً كبيراً في أوكرانيا. اعتمد فلاديمير بوتين على تقييمات خاطئة من جهاز الأمن الفيدرالي (FSB)، خاصة الخدمة الخامسة، التي أخبرت بوتين أن الغزو سيكون سهلاً. النتيجة كانت كارثة عسكرية، حيث تم إرسال وحدات الحرس الوطني الروسي (روسغفارديا) إلى أوكرانيا دون حماية مدرعة كافية، معتقدين أنهم سيقومون بعمليات شرطة ضد احتجاجات، لكنهم واجهوا مقاومة عسكرية شرسة.

القدرات الإلكترونية الروسية: كشفت الحرب في أوكرانيا أن القدرات الإلكترونية الروسية كانت مبالغاً فيها، حيث تمكنت الاستخبارات الغربية من الحصول على معلومات شبه فورية عن خطط الحرب الروسية من خلال اعتراض اتصالات القادة الروس على شبكات غير آمنة. مع فرار حوالي 30٪ من المتخصصين في تكنولوجيا المعلومات من روسيا، من المتوقع أن تتدهور قدراتها الإلكترونية أكثر.

​

تآكل الشبكات الاستخباراتية وتأثيرها على الحروب

في عام 2021، أصدرت CIA رسالة سرية غير عادية تحذر من خسارة عدد كبير من المخبرين في السنوات الأخيرة على يد قوى معادية. الرسالة، التي كانت موجهة بشكل أساسي إلى ضباط CIA في الخطوط الأمامية، أشارت إلى مشاكل منهجية في عملية توظيف وإدارة المخبرين.

كما أشارت الرسالة إلى أن دولاً مثل الصين وروسيا وإيران وباكستان كانت تستخدم تقنيات متقدمة مثل الذكاء الاصطناعي والتعرف على الوجه وأدوات القرصنة لتتبع تحركات ضباط CIA واكتشاف مصادرهم. هذا التطور التكنولوجي جعل من الصعب للغاية على CIA الحفاظ على شبكات المخبرين وحمايتهم.

تصفية رجال الأمن الذين كشفوا شبكات التجسس تمثل نمطاً خطيراً ومتكرراً في عالم الاستخبارات الدولية. من الصين إلى إيران، ومن أفغانستان إلى لبنان، ومن باكستان إلى اليمن، تستمر الدول والمنظمات في استهداف أولئك الذين يكشفون شبكات التجسس، مما يؤدي إلى خسارة فادحة في الأرواح وتدمير شبكات استخباراتية استغرق بناؤها سنوات.

العواقب الاستراتيجية لهذه التصفيات تتجاوز مجرد خسارة المخبرين؛ فهي تشمل فشلاً استخباراتياً يمكن أن يؤدي إلى قرارات كارثية، كما حدث في حالة حرب العراق، أو إلى هزائم عسكرية كما شهدنا في الغزو الروسي لأوكرانيا. في عصر تتطور فيه تقنيات المراقبة والتجسس بسرعة، أصبح حماية المخبرين وشبكات الاستخبارات أكثر صعوبة وأهمية من أي وقت مضى.

عن Rita Chahwan

ريتا بولس شهوان، صحافية وباحثة ساهمت في عدد من الكتب منها "الكويت وإرادة الاستقلال في الوثائق العثمانية" و "ماذا فعل مدحت باشا في الخليج"(ذات السلاسل) وعملت في عدد من الصحف والمواقع الالكترونية العربية. تلقت تدريبات دولية على الاستقصاء وتخصصت في الاستقصاء الاجتماعي – الاقتصادي كما تولي اهمية كبيرة للشأن السياسي.

شاهد أيضاً

من المخدرات إلى الأصول الرقمية: النيابة العامة التمييزية تعيد هندسة الأمن المالي اللبناني

لم تعد معركة مكافحة تبييض الأموال في لبنان مجرد ملاحقات قضائية تقليدية، بل تحولت إلى …