دليل المبتدئين لانهيار الدول: ابدأ من مائدة العشاء العائلية في لبنان

أهلاً بكم في لبنان، المختبر العالمي الرائد في هندسة الفوضى، والمصنع الأول للمواطنين الجاهزين لخوض حروب أهلية على نطاق مصغّر. إذا كنتم تتساءلون عن سر عبقريتنا في إدارة الانهيار المستمر، فلا تزعجوا أنفسكم بتحليل خطابات السياسيين أو قراءة الدستور. الجواب أبسط وأقرب بكثير: إنه يكمن في الحصة التدريبية الأولى التي يتلقاها كل لبناني، وهي معركة الميراث.

الفصل الأول: فن الحرب… ليس فقط على قطعة أرض

في أي مكان آخر في العالم، الميراث هو إجراء قانوني لتوزيع تركة بعد الوفاة. في لبنان، هو عملية استباقية تبدأ وأنت على قيد الحياة. الشعار الخالد للبطريرك العائلي ليس “عش ودع غيرك يعيش”، بل هو إعلان سيادي صارم: “اصمت وأنت حيّ، فأنا أوزّع موتك كما أوزّع حياتك”.

هنا، الحرب ليست على فدان زيتون أو حساب مصرفي فحسب، بل على ميراث العلاقات الاجتماعية، على شبكة النفوذ، على “بزنس كارت” واحد قد يفتح باباً. الأب، الزعيم، مدير عام سلالة العائلة، يرى في ابنه ليس وريثاً بل منافساً محتملاً. لذلك، يقوم بحماية نفسه من “خطر توريث بزنس كارت واحد لك”، فيُبقيك معزولاً، بلا شبكة، بلا قوة، لتظل تحت رحمته المطلقة. أنت لا ترث، بل تُمنَح ما يقرره هو، ومتى يقرره.

هذه ليست مجرد خلافات، بل هي أكاديمية عسكرية متكاملة. المنهج الدراسي يتضمن: تزوير المستندات (مادة أساسية)، شهادة الزور (مادة اختيارية لكنها محبوبة)، التهديد المبطّن (فن التواصل المتقدم)، والقطيعة الأبدية (مشروع التخرج). من يتفوق في هذه الدورة، يصبح مؤهلاً تماماً لدخول المعترك السياسي، فهو قد أتقن بالفعل المبدأ الأساسي للحكم في لبنان: “الثقة خيانة، والسلطة لا تورّث بل تُحتكر حتى آخر نفس”.

الفصل الثاني: الأحزاب السياسية… شركة عائلية مع جناح عسكري

بعد التخرج بمرتبة الشرف من “جامعة الميراث”، ينتقل النابغة إلى المستوى التالي: الحزب السياسي. لا تنخدعوا بالأسماء الرنانة والشعارات البراقة. الأحزاب في لبنان هي في جوهرها شركات عائلية قابضة. الزعيم هو “الأب الروحي” (والفعلي)، والمناصب القيادية تورّث كما تورّث ساعة الجيب العتيقة. الديمقراطية الداخلية؟ هذا مفهوم غربي مستورد لا يناسب “عاداتنا وتقاليدنا” في الولاء الأعمى.

وهنا تكمن عبقرية النموذج. لماذا تحتاج إلى إجراءات أمنية معقدة لحماية الحزب من الاختراق، بينما أكبر خرق أمني محتمل هو ابن عمّ “زعلان” لأنه لم يحصل على منصب مدير عام؟ الولاء ليس للمبدأ، بل للقرابة والغنيمة. وهذا يجعل الحزب مرناً بشكل مدهش: يمكن لأي جهة خارجية أن تستغل هذا “الزعلان” بمعلومة، أو بصفقة، أو بوعد بمنصب. إنها ليست خيانة، بل مجرد “إعادة تموضع استراتيجي” في السوق الحرة للولاءات.

الفصل الثالث: الدولة كغنيمة كبرى… والجريمة كاستثمار

عندما يصل خريجو هذه المدرسة إلى سدة الحكم، فإنهم يطبقون ما تعلموه على نطاق وطني. الدولة ليست وطناً، بل هي التركة الأكبر التي خلفها الأجداد ليتقاتل عليها الأحفاد. الموازنة العامة ليست خطة إنفاق، بل هي “الكعكة” التي يجب تقاسمها. والوزارات ليست مؤسسات خدمة، بل هي “إقطاعيات” عائلية.

في هذا المناخ الصحي، لم تعد الجريمة السياسية فعلاً شنيعاً، بل أصبحت مجرد “أداة لحل الخلافات”. الفساد ليس سرقة، بل هو “حسن إدارة للموارد الشخصية”. والاغتيال ليس قتلاً، بل هو “إزالة عائق من أمام المصلحة العليا”… طبعاً، مصلحة العائلة الحاكمة. لقد نجحنا في تحويل كل فعل إجرامي إلى وجهة نظر، وكل كارثة وطنية إلى “فرصة استثمارية” جديدة.

لماذا تتعجبون من انهيار البنوك؟ لقد كان مجرد تطبيق واسع النطاق لمبدأ “حرمان الأخت من ورثتها”، ولكن هذه المرة، كانت الأخت هي الشعب اللبناني بأسره.

الخلاصة: تهانينا، لقد فشلنا بنجاح!

إذا أردتم استنساخ تجربتنا الرائدة في أي مكان في العالم، فالوصفة بسيطة: دمّروا ثقة الفرد بأقرب الناس إليه، علّموه أن الحق يؤخذ بالذراع لا بالقانون، واجعلوا المصلحة المادية هي الإله الأوحد. بعد ذلك، شاهدوا كيف تتحول الخلافات الصغيرة إلى جرائم، والجرائم إلى سياسة، والسياسة إلى انهيار منظم ومستدام.

فلبنان لم يفشل، بل هو يؤسس لمدرسة جديدة في العلوم السياسية: مدرسة الفوضى الخلاقة… على الطريقة العائلية.

عن Rita Chahwan

ريتا بولس شهوان، صحافية وباحثة ساهمت في عدد من الكتب منها "الكويت وإرادة الاستقلال في الوثائق العثمانية" و "ماذا فعل مدحت باشا في الخليج"(ذات السلاسل) وعملت في عدد من الصحف والمواقع الالكترونية العربية. تلقت تدريبات دولية على الاستقصاء وتخصصت في الاستقصاء الاجتماعي – الاقتصادي كما تولي اهمية كبيرة للشأن السياسي.

شاهد أيضاً

الأخبار»: هندسة «الغيريّة» واختراق الحصون الأكاديمية

في وقتٍ يبدو فيه الانقسام اللبناني أفقياً، يأتي العدد 5891 من جريدة «الأخبار» ليعكس محاولة …