فواز طرابلسي: كيف ندير هذه الطاقة الدفاعية الموجودة ونجعلها تحت قيادة الدولة؟

بيروت – في مقابلة لافتة، أعاد المفكر والمؤرخ الدكتور فواز طرابلسي فتح ملف السلاح في لبنان من زاوية تتجاوز الطروحات التقليدية، داعيًا إلى نقاش وطني يتسم بالعمق الفكري والواقعية السياسية، ويحمل الدولة مسؤوليتها التاريخية بدلًا من حصر النقاش في سلاح حزب الله كقضية معزولة.

في حديثه لبرنامج “الحدث”، قدم طرابلسي مقاربة مركبة تشير إلى أن أي حوار جاد حول هذا الملف يجب أن ينطلق من فرضية أساسية غالبًا ما يتم تجاهلها: مسؤولية الدولة اللبنانية نفسها. فبحسب طرابلسي، الدولة التي منعت جيشها من قتال العدو الإسرائيلي عام 1982، هي ذاتها التي خلقت فراغًا دفاعيًا اضطر المدنيون لملئه، وهو ما أدى لاحقًا إلى بزوغ المقاومة وتحولها إلى قوة عسكرية منظمة.

بهذا الطرح، يقلب طرابلسي الطاولة على السردية السائدة التي تبدأ وتنتهي عند المطالبة بـ”نزع سلاح الميليشيات”، وهو المصطلح الذي اعتبره “تجليطة” في السياق الحالي، مؤكدًا أن لبنان يواجه حقيقة وجود “تنظيم عسكري” واحد هو حزب الله، وليس ميليشيات متعددة. وعليه، يصبح السؤال المطروح للنقاش ليس كيف نسحب السلاح، بل “كيف ندير هذه الطاقة الدفاعية الموجودة ونجعلها تحت قيادة الدولة؟”. (سبق وفكر بها فواز وجوزف سماحة)

ويضيف طرابلسي عمقًا آخر للنقاش بتمييزه بين مرحلتين لدور الحزب: مرحلة المقاومة والتحرير حتى عام 2006، ومرحلة ما بعد 2006 التي شهدت تحولًا في وظيفته نحو بناء ترسانة ردع إقليمية (تستهدف ديمونا)، وهو ما يفرض إعادة تقييم وظيفته الدفاعية المباشرة عن لبنان.

إن الدعوة التي يطلقها طرابلسي لا تتوقف عند تحليل الماضي، بل تقدم رؤية للمستقبل تتسم بالبراغماتية، حيث يرى أن الحل لا يكمن في مطالبة عشرات آلاف المقاتلين بتسليم سلاحهم، بل في اعتراف الدولة بوجود “مخزون من السلاح والمقاتلين” إلى جانب الجيش، والعمل على وضع هذه القوة تحت قيادتها ضمن استراتيجية دفاعية وطنية.

ولم يغفل طرابلسي البعدين الاجتماعي والسياسي، لافتًا إلى أن هذا السلاح مرتبط ببيئة شعبية عانت على خطوط النار لعقود، وبقضية سياسية تتعلق بمكانة الطائفة الشيعية في بنية السلطة. كما وضع مسؤولية على حزب الله نفسه، منتقدًا غياب المراجعة النقدية لأدائه في الحرب الأخيرة، وما وصفه بالخسائر الفادحة التي تكبدها.

في المحصلة، يمثل حديث فواز طرابلسي دعوة صريحة للطبقة السياسية والمثقفين في لبنان إلى الارتقاء بمستوى النقاش، والانتقال من لغة الشعارات والاتهامات المتبادلة إلى حوار فكري شجاع يواجه الحقائق التاريخية والسياسية والعسكرية المعقدة، ويطرح أسئلة جوهرية حول هوية الدولة، ومفهوم السيادة، وشكل الاستراتيجية الدفاعية المستقبلية للبنان.

عن Rita Chahwan

ريتا بولس شهوان، صحافية وباحثة ساهمت في عدد من الكتب منها "الكويت وإرادة الاستقلال في الوثائق العثمانية" و "ماذا فعل مدحت باشا في الخليج"(ذات السلاسل) وعملت في عدد من الصحف والمواقع الالكترونية العربية. تلقت تدريبات دولية على الاستقصاء وتخصصت في الاستقصاء الاجتماعي – الاقتصادي كما تولي اهمية كبيرة للشأن السياسي.

شاهد أيضاً

الأخبار»: هندسة «الغيريّة» واختراق الحصون الأكاديمية

في وقتٍ يبدو فيه الانقسام اللبناني أفقياً، يأتي العدد 5891 من جريدة «الأخبار» ليعكس محاولة …