“ليس من حزب الله”: أنثروبولوجيا “الجمهورية الأخرى” من بعلبك إلى ضواحي البؤس

عندما يقف محامٍ ليدافع عن موكله، نوح زعيتر، ويصرح بأن “وكيله لا ينتمي إلى حزب الله”، فإنه لا يقدم معلومة بقدر ما يفتح الباب على مصراعيه لفهم عالم كامل. هذا النفي، ليس مجرد استراتيجية دفاع، بل هو التعريف الأنثروبولوجي الأكثر دقة للواقع الذي ينتمي إليه زعيتر وأمثاله. إنه إقرار بوجود “جمهورية أخرى” تعمل بقوانينها الخاصة، ولها عقدها الاجتماعي الموازي، وتتغذى من الفراغ الذي تركته الدولة اللبنانية.

بعلبك-الهرمل: مختبر العقد الاجتماعي الموازي

لفهم ظاهرة نوح زعيتر، يجب ألا ننظر إليه كفرد، بل كمنتج طبيعي لبيئته. منطقة بعلبك-الهرمل، بتاريخها الطويل من التهميش، لم تكن يومًا خاضعة بالكامل لسلطة الدولة. في هذا الفراغ، تشكل “عقد اجتماعي بديل” يقوم على أسس أنثروبولوجية أعمق: سلطة العشيرة والدم، اقتصاد الحاجة والجغرافيا، وشرعية الأمر الواقع التي يفرضها “القبضاي” كبديل عن الدولة الغائبة. ضمن هذا المختبر، وُلدت الجريمة المنظمة ليس كشذوذ، بل كجزء من النسيج الطبيعي.

من تجارة المخدرات إلى تجارة البشر: منطق تنويع الاستثمار

إن الشبكات الإجرامية، مثل أي “شركة” ناجحة، تسعى لتنويع استثماراتها. البنية التحتية التي تأسست على تجارة المخدرات – من طرق التهريب، إلى شبكات الفساد، وقوة السلاح – هي أصول قيمة يمكن استخدامها في “قطاعات” أخرى. وهنا يظهر التشابك المروع مع شبكات الدعارة واستغلال العاملات الأجنبيات. إنه تطور “منطقي” لـ”بيزنس” يبحث عن الربح الأقصى في بيئة لا تعترف بأي قانون سوى قانون القوة والمال.

الواجهة البيضاء: عندما يخدم القانون الخارجين عن القانون

لكن هذه “الجمهورية الأخرى” لا يمكنها البقاء والازدهار بالاعتماد على القوة والعنف فقط. إنها تحتاج إلى واجهة “بيضاء”، إلى جسور تعبر بها إلى عالم الدولة الرسمية، وإلى محترفين يتقنون لغة القانون ليحموا من هم خارجون عنه.

وهنا، يصبح ما يُقال عن وجود محامية مثل جوزيت رزق، التي عُرفت بالدفاع عن شخصية أمنية وسياسية جدلية مثل فايز كرم، كـ”محامية خفية” لنوح زعيتر، أمرًا ذا دلالة عميقة، بغض النظر عن مدى دقته. إن صحّت هذه الأقاويل، فهي تكشف عن آلية عمل أساسية في هذه المنظومة:

  1. المحامي “المُترجِم”: هذا النوع من المحامين ليس مجرد مدافع قانوني، بل هو “مُترجِم” ووسيط بين عالمين. هو يفهم لغة الدولة والقضاء، وفي نفس الوقت يفهم لغة القوة والعشيرة والصفقات. مهمته ليست فقط كسب البراءة في قاعة المحكمة، بل إدارة الأزمة بأكملها في الكواليس السياسية والأمنية.

  2. بيئة المصالح المتقاطعة: القول بأن المحامية من “نفس البيئة” لا يعني بالضرورة بيئة جغرافية، بل بيئة المصالح المتقاطعة حيث يلتقي الأمني بالسياسي، والسياسي برجل الأعمال، ورجل الأعمال بزعيم الجريمة المنظمة. في هذه المساحة الرمادية، تصبح العلاقات أهم من القوانين، والدفاع عن فايز كرم المتهم بالتعامل مع إسرائيل، والدفاع عن نوح زعيتر المتهم بترؤس إمبراطورية إجرامية، يصبحان وجهين لعملة واحدة: الدفاع عن “لاعبين كبار” في لعبة أكبر من القانون.

  3. شرعنة الجريمة: وجود محامٍ لامع ومُحنّك في صفك يمنحك غطاءً من الشرعية. إنه يحول “المجرم” إلى “متهم” له حقوق، ويحول “شبكة الجريمة” إلى “قضية معقدة” ذات أبعاد سياسية واجتماعية. إنه يضفي طابعًا احترافيًا على عالم الفوضى.

“ليس من حزب الله”: إقرار بالانتماء إلى جمهورية الجريمة

تصريح المحامي الرسمي لزعيتر، في ضوء هذا التحليل، يكتسب معنى أعمق. القول بأن زعيتر “ليس من حزب الله” يعني أنه لا يخضع للانضباط الأيديولوجي للحزب، بل يخضع لمنظومة المصالح والقوة التي تديرها “جمهورية الجريمة”. هذه الجمهورية لها جيشها (عصاباته)، واقتصادها (المخدرات والدعارة)، والآن، كما يبدو، لها قسمها القانوني الخاص المكون من نخبة قادرة على التنقل بين القصور الرئاسية وأوكار الجريمة.

تصدير البؤس: طرابلس والضاحية كأسواق استهلاكية

في النهاية، كل هذه المنظومة المعقدة، بواجهتها البيضاء وقلبها الأسود، تحتاج إلى أسواق لتصريف منتجاتها السامة. طرابلس والضاحية الجنوبية، بهشاشتهما الاقتصادية والاجتماعية، هما المستهلك الأخير لهذا البؤس. الشباب المحبط يصبحون زبائن للمخدرات أو جنودًا صغارًا في هذه الشبكات. إنها الدائرة المفرغة الكاملة: البؤس الذي يولد في منطقة مهمشة (بعلبك)، تتم إدارته باحترافية عبر واجهات قانونية وسياسية، ثم يُصدّر ليزيد من بؤس مناطق مهمشة أخرى.

إنها قصة جمهورية كاملة الأركان، لا تعترف بالحدود، ولا بالسياسة، ولا بالأخلاق، ولا بالقانون… إلا عندما تستخدمه كأداة لحماية نفسها.

عن Rita Chahwan

ريتا بولس شهوان، صحافية وباحثة ساهمت في عدد من الكتب منها "الكويت وإرادة الاستقلال في الوثائق العثمانية" و "ماذا فعل مدحت باشا في الخليج"(ذات السلاسل) وعملت في عدد من الصحف والمواقع الالكترونية العربية. تلقت تدريبات دولية على الاستقصاء وتخصصت في الاستقصاء الاجتماعي – الاقتصادي كما تولي اهمية كبيرة للشأن السياسي.

شاهد أيضاً

تتويجاً لمسيرة الشفافية: «غربال» تطلق أضخم أرشيف رقمي للجريدة الرسمية اللبنانية كحجر زاوية في صرح المساءلة الوطنية

في لحظة فارقة تزامنت مع الاحتفاء باليوم العالمي للحق في الوصول إلى المعلومات، دشّنت مبادرة …