(دليل عملي للمبتدئين في تدمير المؤسسات وبناء الثروات)

اسمعي يا عزيزتي، انظري إليّ جيداً واتركي قلمكِ ودفتر ملاحظاتكِ جانباً، وتوقفي عن التحديق في الأفق بتلك النظرة المثالية الساذجة. هل تريدين أن تبقي طوال حياتك صحافية “نظيفة” تنتظر راتبها المتواضع آخر الشهر لتدفع أقساط سيارة صغيرة؟ أم تريدين أن تتغير حياتكِ، وتركبي السيارات الفارهة، وتصبحي “رقمًا صعبًا” في المعادلات الإقليمية؟

إذا كان الجواب هو الثاني، فعليكِ فوراً أن تحرقي كتب الجامعة، وتنسي تلك الخرافات عن “أخلاقيات المهنة”، وتتخلصي من عقدة الخوف من تلك الكلمة المقرفة التي يحبها الأميركيون: “الامتثال” (Compliance).

يا ابنتي، في هذا البلد، الامتثال هو مقبرة الطموح! هل تريدين النجاح؟ عليكِ أن تكوني “سامّة” (Toxic). وإليكِ “الوصفة السحرية” المستوحاة من أسياد اللعبة، أبطال فريق “قناة آسيا” الذين اخترقوا حصون LBCI.

الدرس الأول: “العدوى” (Contagion) هي استراتيجية مهنية
في عالم الأعمال التقليدي، يقولون إن “السمعة” أصل مالي لا يُمس. هراء! السمعة هي مجرد “حطب” نتدفأ عليه في شتاء العقوبات.
انظري إلى القدوة الحسنة، فريق “آسيا”. هل جلسوا يبكون لأن معلمهم “آراس حبيب” وُضع على لائحة العقوبات الأميركية (SDN List) ولأن قناتهم صُنفت كـ “كيان سام”؟ هل قالوا “يا إلهي، نحن نعمل في غرفة مقاصة للحرس الثوري”؟ طبعاً لا!
لقد حملوا حقائبهم—ومخاطرهم—وانتقلوا بكل ثقة إلى قلب “المؤسسة اللبنانية للإرسال” (LBCI). لم يعتبروا أنفسهم موظفين جدداً، بل اعتبروا أنفسهم “فيروساً” ذكياً ينتقل إلى جسد مضيف قوي.

  • نصيحتي لكِ: لا تخافي من نقل العدوى للمؤسسة التي تعملين بها. المؤسسات الكبرى مثل LBCI، التي تعيش على الإعلانات العالمية، قد تبدو قوية، لكنها تعشق “المجازفة الانتحارية” إذا غُلّفت بغلاف مهني. كوني أنتِ الفيروس الذي لا يُقاوم!

الدرس الثاني: دوسي على “العناية الواجبة” (Due Diligence)
يخيفونكِ بأن المصارف العالمية والمؤسسات الكبرى تملك أنظمة صارمة للتدقيق في خلفيات الموظفين؟ يا لسذاجتهم!
انظري كيف ابتلعت LBCI الطعم. قبلت باستيعاب فريق كامل كان يدير الواجهة الإعلامية لشخصية معاقبة دولياً. هذا ما يسمونه في التقارير “فشل العناية الواجبة”، لكننا نسميه “فن الاختراق”.

  • عندما يسألك موظف البنك عن مصدر أموالك أو تاريخك المهني، لا تقولي الحقيقة. كوني غامضة. المؤسسة التي ستوظفك سترسل إشارة سلبية للمصارف المراسلة (Correspondent Banks)؟ وما همّكِ أنتِ؟ فليغلقوا حسابات المؤسسة، المهم أن يظل حسابكِ الشخصي مفتوحاً.. أو الأفضل، أن تتعاملي بـ “الكاش”.

الدرس الثالث: حوّلي المؤسسة إلى “غسالة” (The Art of Layering)
التقرير يتحدث عن مراحل غسيل الأموال (Placement, Layering, Integration) وكأنها جريمة. يا ابنتي، هذا “إبداع مالي”.
دوركِ ليس نقل الخبر، بل أن تكوني جزءاً من مرحلة “التمويه” (Layering).

  • كيف؟ الأموال تأتي من مصادر “ساخنة” (معاقبة دولياً)، تدخل إلى المؤسسة الإعلامية، وتخرج منها على شكل “رواتب نظيفة” أو “نفقات إنتاج”. حين تقبضين راتبك من مؤسسة عريقة، أنتِ تقومين بـ “شرعنة” تلك الأموال.

  • اجعلي المصارف المراسلة تحتار: هل هذا راتب مهني أم تمويل لأجندة خارجية؟ كلما زاد الغموض، زادت قيمتكِ كـ “بوابة عبور” (Gateway).

الدرس الرابع: فن “غسيل السمعة” والفخاخ (تكتيك جيري ماهر)
قرأتِ في التقرير عن “فخ جيري ماهر” وكيف أدى لتثبيت التهمة؟ انظري للأمر بإيجابية.
نعم، حاول الفريق المنتقل تلميع صورته عبر افتعال معركة وطنية، وانتهى الأمر بكارثة “تأشير” (Flagging) اسم LBCI دولياً وانكشاف “الرابط العضوي” مع الماضي.
لكن، هل سألكِ أحد عن ذلك؟ لا.

  • القاعدة الذهبية: عندما تنكشفين، صَعِّدي! الصراخ الإعلامي هو أفضل وسيلة للتشويش على التقارير المالية. إذا أصبحت المؤسسة التي تعملين بها مصنفة كـ “طرف متورط” بدلاً من “منبر محايد”، فهذا يعني أنكِ نجحتِ في تغيير هوية المؤسسة لتخدم أسيادك. السمعة السيئة أفضل بمراحل من النسيان!

الدرس الخامس: كوني “بروكسي” (Proxy) وافتخري
يخوفونك من “خطر الوكالة” (The Proxy Risk) وأن تصبحي “منصة بديلة” لأجندات معاقبة؟
يا حبيبتي، الـ “Proxy Risk” هو الاسم الحركي للثراء السريع.
المصارف العالمية تميل إلى “الخروج من المخاطر” (De-risking) وتقطع علاقاتها بالمؤسسات المشبوهة؟ فليكن! دعي LBCI تخسر علاقاتها المصرفية، ودعي المعلنين يهربون. أنتِ هناك لمهمة محددة: أن تكوني الجسر الذي تعود عبره شبكات “آراس حبيب” إلى المشهد الشرعي.

الدرس السادس: تدمير البلد هو “أثر جانبي” مقبول
التقرير يتباكى في النهاية ويقول إن هذا السلوك يضع لبنان على “القائمة الرمادية” (Grey List) ويدمر الثقة المالية بالدولة ككل، ويرفع تكاليف التحويلات، ويطرد الاستثمارات.
يا إلهي، كم هذا درامي وممل!
يا صغيرتي، إذا غرق المركب (لبنان)، فهل يهم إن كنتِ تجلسين في مقصورة الدرجة الأولى أو الدرجة الثالثة؟ المهم أن تملكي “قارب نجاة” خاصاً بك.

  • هل يهمكِ أن يخضع لبنان لتدقيق مالي دولي؟ لا.

  • هل يهمكِ أن يُعزل القطاع التجاري عن النظام المالي العالمي؟ طبعاً لا، لأننا نعمل في “اقتصاد الكاش”.

  • دعي المصارف تنهار، دعي الاستثمار الأجنبي يهرب، دعي المؤسسة العريقة تحترق سمعتها التي بنتها في 30 سنة. كل هذا رخيص مقابل أن تكوني أنتِ “البوابة”.

الخلاصة:
في المرة القادمة التي يخبركِ فيها أحدهم عن “حوكمة الشركات” أو “مخاطر السمعة”، اضحكي في وجهه بصوت عالٍ.
قولي له: “أنا لا أعمل في الإعلام لأكون قديسة أو لأمتثل للقانون الأميركي، أنا أعمل لأكون ثقباً في جدار النظام المالي العالمي“.
دمري سمعة المؤسسة؟ نعم.
عرّضي النظام المصرفي للخطر؟ بالتأكيد.
كوني “حصان طروادة” للأموال المعاقبة؟ هذا هو الفن!

هيا انطلقي، وابحثي عن أقرب “كيان سام” لتعملي معه، فالطريق إلى الجحيم المالي مفروش بالدولارات المهرّبة، ولا يقرأ اللوائح الأميركية إلا الفقراء!

عن Rita Chahwan

ريتا بولس شهوان، صحافية وباحثة ساهمت في عدد من الكتب منها "الكويت وإرادة الاستقلال في الوثائق العثمانية" و "ماذا فعل مدحت باشا في الخليج"(ذات السلاسل) وعملت في عدد من الصحف والمواقع الالكترونية العربية. تلقت تدريبات دولية على الاستقصاء وتخصصت في الاستقصاء الاجتماعي – الاقتصادي كما تولي اهمية كبيرة للشأن السياسي.

شاهد أيضاً

من المخدرات إلى الأصول الرقمية: النيابة العامة التمييزية تعيد هندسة الأمن المالي اللبناني

لم تعد معركة مكافحة تبييض الأموال في لبنان مجرد ملاحقات قضائية تقليدية، بل تحولت إلى …