بين تصفية الأجساد واغتيال المؤسسات: لبنان في قبضة “المافيا” الشاملة

إضرب إضرب :

لم تكن عملية خطف وتصفية باسكال سليمان، منسق حزب القوات اللبنانية في جبيل (نيسان 2024)، مجرد سطر عابر في سجل الحوادث الأمنية، ولا نتاج “صدفة” للصوص سيارات ضلوا طريقهم. إن الدقة في التنفيذ، والمسار العابر للحدود من أعالي جبيل إلى الداخل السوري، يعريان حقيقة أن ما جرى هو نقطة اشتباك دامية في “حرب محاور” سرية؛ حرب تتنافس فيها القوى للسيطرة على مسارات الجريمة المنظمة، وتوجيه “الجهاد المالي” والتمويل السري لخدمة أجندات تتصارع بين واشنطن وطهران، ويدفع ثمنها “النظيفون” في كل الميادين.

الحرب السرية: بين طموح واشنطن وشبكات الظل
في كواليس هذا الصراع، يقود جوزف جبيلي حراكاً في واشنطن لتسويق “القوات اللبنانية” لدى فريق دونالد ترامب، ليس كحزب سياسي فحسب، بل كـ”قدرة” استخباراتية وتنظيمية قادرة على خرق بيئات الخصوم ومنافسة حزب الله في ملعبه الخلفي (الاقتصاد الموازي والحدود). هذا الطموح اصطدم بمحور داخلي معقّد يمثله تيار (معارض للقوات فلنقل )، المستند إلى شبكات ظل بديلة وتاريخ من العمل الأمني المثير للجدل.
هنا، جاء اغتيال باسكال سليمان كـ”ضربة وقائية” دموية لقطع الطريق على “الذراع التنفيذية” للقوات، وللقول إن محاولة الدخول في نادي “الجريمة المنظمة الدولي” ستواجه بردود قاسية من شبكات متجذرة مثل شبكة “شي موريس” (المتورطة في الاتجار بالبشر والتهريب فيها حزب الله متشابكة مع متناقضات وبعضهم مغطى بوجوه اعلامية)، والتي تحظى بغطاء قانوني ونفوذ يسمح لها بالتضحية بقضاة ومصرفيين، وتصفية حسابات إقليمية، كما حدث سابقاً مع اغتيال الطبطبائي، لقطع خطوط التواصل التي نُسجت يوماً بين شخصيات إعلامية وإيران.

من الميدان الأمني إلى “الاستعمار” الإنساني
لا تتوقف هذه “المافيا” عند حدود التصفيات الجسدية في الشوارع، بل تتمدد لتخترق آخر حصون الأمل: المنظمات الإنسانية العالمية. ففي حين يُقتل باسكال سليمان في الصراع على “التمويل والنفوذ”، تجري عملية قتل أخرى داخل أروقة العمل الإنساني، حيث تُستخدم هذه المنظمات كأدوات لـ”غسيل السمعة” من قبل نفس نمط الشخصيات النافذة أو الخاضعة لعقوبات دولية (من تيارات سياسية مختلفة).

تتعرض هذه المنظمات لعملية “استعمار داخلي”؛ إذ لا ينضم هؤلاء لخدمة المبادئ السامية كـ”الخدمة فوق الذات”، بل لإخضاعها لمصالحهم، محولين شعارات “الحقيقة” و”الزمالة” إلى هياكل جوفاء تحمي الفساد. هنا، تتقاطع مأساة باسكال سليمان مع مأساة “الشاب العصامي اليتيم” داخل هذه المنظمات؛ فكلاهما يمثل “النموذج النظيف” والمستقل الذي يشكل خطراً على منظومة الفساد.

آلية التدمير: بين الرصاص والتشهير
تختلف الأدوات والنتيجة واحدة. في الأمن، استُخدمت سيارة مسروقة ولوحات مزورة لتصفية سليمان. أما في العمل الإنساني، فتُستخدم “الاغتيالات المعنوية” عبر التشهير، التخوين، والحصار النفسي لتدمير الشباب الموهوبين الذين يرفضون الانصياع للمحسوبية. يتم تحويل الضحية من قصة نجاح ملهمة إلى “عدو مصطنع”، فيُعاقب لا على جرم ارتكبه، بل على استقلاليته التي تفضح فسادهم.

النتيجة الكارثية: هيكل أجوف ووطن مستباح
إن تداعيات هذا المشهد المزدوج كارثية؛ فمحلياً، يتم اغتيال الأمل الأخير للمواطنين، سواء عبر فقدان الأمان الجسدي أو عبر رؤية “المجتمع المدني” يتحول إلى ملحق لأمراء الحرب. وعالمياً، تتحول هذه المنظمات إلى قنابل موقوتة، حيث يهدد ارتباطها بشخصيات فاسدة بقطع التمويل الدولي وسحب الثقة، تماماً كما تهدد الشبكات الأمنية أمن المنطقة.

في المحصلة، سواء كان الضحية سياسياً تنظيمياً مثل باسكال، أو ناشطاً إنسانياً عصامياً، فإن “القاتل” واحد: شبكة عنكبوتية معقدة من المصالح السياسية والمالية، تتخذ قراراتها في عواصم بعيدة أو غرف سوداء، وتنفذ بأيادٍ عابرة للحدود أو بأختام مؤسساتية مشبوهة. وبينما يصرخ ذوو الضحايا طلباً للعدالة، تضيع صرخاتهم في وادي “الجريمة المنظمة” الذي ابتلع الدولة وحوّل المؤسسات الإنسانية إلى هياكل جوفاء، وشواهد صامتة على سقوط أخلاقي ووطني مدوٍّ.

عن Rita Chahwan

ريتا بولس شهوان، صحافية وباحثة ساهمت في عدد من الكتب منها "الكويت وإرادة الاستقلال في الوثائق العثمانية" و "ماذا فعل مدحت باشا في الخليج"(ذات السلاسل) وعملت في عدد من الصحف والمواقع الالكترونية العربية. تلقت تدريبات دولية على الاستقصاء وتخصصت في الاستقصاء الاجتماعي – الاقتصادي كما تولي اهمية كبيرة للشأن السياسي.

شاهد أيضاً

من المخدرات إلى الأصول الرقمية: النيابة العامة التمييزية تعيد هندسة الأمن المالي اللبناني

لم تعد معركة مكافحة تبييض الأموال في لبنان مجرد ملاحقات قضائية تقليدية، بل تحولت إلى …