في ظاهر الأمر، تبدو المدرسة مكاناً بريئاً: حقيبة ظهر، زي موحد، وضحكات تملأ الفناء. لكن في العمق، وفي سياقات معقدة كلبنان، يتحول هذا الفضاء التربوي إلى أخطر ساحات المعارك وأكثرها استراتيجية. إن استهداف منظمات عقائدية كحزب الله للمدارس ليس عملاً عشوائياً، بل هو حجر الزاوية في مشروع وجودي يهدف إلى صناعة مجتمع مغلق، وتنشئة أجيال لا ترى في العالم إلا خيارين: إما الولاء المطلق للمشروع، أو الخيانة. هذا الواقع يكشف كيف يتم استهداف الهدف منذ جذوره، وكيف تتأذى المدرسة وتتحول إلى مصنع لـ”قنابل بشرية مؤدلجة” يمولها الأهل بأنفسهم، تحت سقف نظام ديمقراطي هش وعاجز.
لماذا الجذور؟ استراتيجية السيطرة على العقل في مهده
العودة إلى المدرسة قبل الجامعة ليست خياراً، بل هي ضرورة استراتيجية لأي مشروع أيديولوجي طويل الأمد. العقل في مرحلة الطفولة والمراهقة هو بمثابة “صفحة بيضاء”، وغرس الأفكار فيه أسهل وأكثر رسوخاً من محاولة تغيير قناعات شخص بالغ. هنا يكمن المنطق الاستراتيجي الذي تتبعه المنظمات العقائدية بدقة مذهلة.
صناعة هوية “نحن” مقابل “هم” تشكل الأساس الأول لهذه الاستراتيجية. في المدرسة، لا يتم تعليم الطفل مجرد كراهية “الآخر” (سواء كان إسرائيل، الغرب، أو أي مخالف في الرأي)، بل يتم بناء هويته بالكامل على أساس هذا العداء. تُستخدم الأفكار المعادية لأطراف خارجية كأداة لتجريد “العدو” من إنسانيته، وتحويل الصراع من قضية سياسية إلى معركة وجودية مقدسة. يصبح الشعار ليس مجرد كلمات، بل عقيدة تُغرس مع الأناشيد الصباحية والاحتفالات المدرسية.
تطبيع الأيديولوجيا يأتي في المرحلة الثانية. عندما يسمع الطالب نفس الخطاب في المدرسة، وفي المنزل، وفي المسجد، وفي أنشطة الكشافة، تتحول الأيديولوجيا من مجرد “رأي” إلى “حقيقة مطلقة” وجزء لا يتجزأ من نسيج الواقع. يتم تطبيع مفاهيم “الشهادة” و”المقاومة المسلحة” لتصبح أسمى أهداف الحياة، متجاوزة أي طموح شخصي أو مهني آخر. يتشكل الطفل في بيئة معقمة عقائدياً حيث لا توجد أصوات مضادة أو وجهات نظر بديلة توازن الرسالة المُلقَّنة.
الآلية: كيف يتم “تلويث” البيئة التعليمية؟
يتم الاختراق عبر آلية مزدوجة تجمع بين المنهج الرسمي والتعليم الموازي، مما يخلق شخصية منفصمة قادرة على التعامل مع العالم الحديث وحمل أفكار متطرفة في آن واحد. هذا التوازي ليس مصادفة، بل هندسة حسابية دقيقة.
المنهج المزدوج: حصان طروادة الثقافي ومضاداته
هنا تكمن المفارقة العبقرية والخطيرة. قد تتبع المدرسة نظاماً تعليمياً قوياً ومرموقاً كالمنهج الفرنسي في مواد العلوم والرياضيات. هذا الاختيار هو سلاح ذو حدين:
-
الحد الأول (الجذب والشرعية): يمنح المدرسة “الشرعية الأكاديمية” ويجذب الأهالي الباحثين عن تعليم جيد ومستقبل مضمون لأبنائهم، ويقدم واجهة من الحداثة والانفتاح.
-
الحد الثاني (الخطر الكامن): لكن النظام الفرنسي ليس مجرد كتب ومعادلات؛ إنه حصان طروادة ثقافي. فهو يحمل في طياته قيم العلمانية (Laïcité)، الفردانية، وحرية التفكير النقدي، وهي قيم تتعارض جذرياً مع الفكر العقائدي المنغلق القائم على الجماعة والطاعة المطلقة. هذه الثقافة الغربية، في نظر مهندسي المشروع الأيديولوجي، هي خطر داهم، بل قد تُصوَّر على أنها تيار “لاسامي” مبطن، ليس بمعنى العداء لليهود، بل بمعنى العداء للقيم الدينية والتقليدية للمجتمعات “السامية” (العربية والإسلامية)، مما يهدد بنية المجتمع الإيماني من الداخل.