مجزرة حانوكا في سيدني: إرهاب يكشف عن إخفاق أمني ومجتمعي عميق

سيدني، أستراليا – استيقظت أستراليا على واقع دموي مساء 14 ديسمبر 2025، عندما تحول احتفال ديني بهيج إلى كابوس مروع على شاطئ بوندي الشهير في سيدني. في هجوم وُصف بأنه أسوأ عمل إرهابي في تاريخ البلاد الحديث، فتح أب وابنه النار على حشد يضم أكثر من ألف شخص من المجتمع اليهودي أثناء احتفالهم بالليلة الأولى من عيد الحانوكاه، مما أسفر عن مقتل 15 شخصاً وإصابة 42 آخرين.

وقد أدان رئيس الوزراء الأسترالي أنتوني ألبانيز الهجوم بشدة، قائلاً: “هذا عمل إرهابي شنيع وكراهية معادية للسامية”. ورغم أن الهجوم يبدو حدثاً معاصراً، إلا أنه يعكس صدى مؤلماً لتاريخ طويل من الاضطهاد والعنف ضد اليهود، وهو تاريخ يجد تجسيداً قاسياً في معاناة اليهود في تونس على مر القرون.

منفذان تحت المجهر: أب عادي وابن متطرف

كشفت التحقيقات عن هوية المنفذين: ساجد أكرم (50 عاماً) وابنه نافيد أكرم (24 عاماً). فالأب ساجد، وهو مهاجر باكستاني مقيم في أستراليا منذ أكثر من 25 عاماً، كان يعيش حياة هادئة ظاهرياً ويمتلك ستة أسلحة نارية مرخصة. أما الابن نافيد، فكان معروفاً لدى جهاز الاستخبارات الأسترالي (ASIO) منذ عام 2019 لارتباطه بمتطرفين، لكن السلطات اعتبرته “لا يشكل تهديداً مستمراً” بعد تحقيق أولي، مما أتاح له ست سنوات كاملة لتعميق تطرفه بعيداً عن الرقابة.

دروس لم تُستوعب بعد: تحليل أنثروبولوجي للفشل المجتمعي

من منظور أنثروبولوجيا الجريمة، يمثل الهجوم نتاجاً لإخفاق أعمق في سياسات “الهضم الاجتماعي”. تمثل حالة عائلة أكرم نموذجاً لهذا الخلل: جيل أول من المهاجرين يعيش على هامش المجتمع، وجيل ثانٍ وُلد في البلاد لكنه يعاني من اغتراب الهوية والبطالة، مما يجعله فريسة سهلة للأيديولوجيات المتطرفة التي تمنحه شعوراً بالانتماء والهدف.

وهنا يأتي الدور القاتل للخلل الثاني: تعزيز هذا الاغتراب الأيديولوجي بالسلاح. إن حصول شخص مثل ساجد أكرم على ترخيص أسلحة “أبدي” بينما ابنه معروف للجهات الأمنية، يمثل انفصالاً كارثياً بين أجهزة الاستخبارات وسلطات تطبيق القانون.

هذا الفشل المجتمعي يتفاقم بفعل قصور واضح في سياسات الهجرة والأمن الحدودي. بات من الضروري تعديل سياسات الهجرة لتشمل مراقبة دقيقة لارتباطات الأفراد والجماعات ببلدانهم الأم، ورصد أي صلات بمنظمات معادية للسامية أو بؤر للتطرف الديني تبتعد عن الاعتدال. إن جماعات مثل حماس وغيرها أثبتت قدرتها على تصدير أيديولوجيتها والوصول إلى الغرب، وتحويل الشعور بالاغتراب إلى ولاءات خارجية معادية لقيم المجتمع المضيف.

صدى 7 أكتوبر: فشل استخباراتي في قلب سيدني

إن قدرة شخصين مسلحين على اختراق احتفال يهودي كبير ومفتوح يضم أكثر من ألف شخص تثير تساؤلات مقلقة حول الجاهزية الأمنية. ويعد هذا الخرق صدى مروعاً للإخفاقات الأمنية والاستخباراتية التي مهدت لهجمات 7 أكتوبر في إسرائيل. في كلتا الحالتين، كان هناك فشل كارثي في “الخيال الأمني”؛ أي القدرة على توقع أن العدو قادر على تنفيذ هجوم جريء وغير تقليدي.

فكما استهانت الأجهزة الإسرائيلية بقدرة حماس على شن هجوم منسق وواسع النطاق، يبدو أن السلطات الأسترالية استهانت بإمكانية تحول “ذئب منفرد” معروف لديها إلى تهديد منظم بمشاركة أسرته، واستهداف تجمع يهودي رمزي بهذا الحجم. كلاهما يمثل فشلاً في ربط النقاط الاستخباراتية وتحويل المعلومات إلى إجراءات وقائية فعالة على الأرض. لقد أثبت هجوم بوندي بيتش، كما فعلت أحداث 7 أكتوبر، أن وجود معلومات استخباراتية لا يكفي إذا غابت الإرادة لتصور أسوأ السيناريوهات والاستعداد لها.

في النهاية، تقف مأساة سيدني بمثابة تذكير مؤلم بأن معاداة السامية تهديد حي، وأن المعركة ضد الإرهاب تتطلب يقظة أمنية، وإعادة نظر جذرية في سياسات الهجرة والاندماج، والأهم من ذلك، بناء مجتمعات متماسكة وقادرة على تحصين شبابها ضد دعوات الكراهية القادمة من الداخل والخارج.

عن Rita Chahwan

ريتا بولس شهوان، صحافية وباحثة ساهمت في عدد من الكتب منها "الكويت وإرادة الاستقلال في الوثائق العثمانية" و "ماذا فعل مدحت باشا في الخليج"(ذات السلاسل) وعملت في عدد من الصحف والمواقع الالكترونية العربية. تلقت تدريبات دولية على الاستقصاء وتخصصت في الاستقصاء الاجتماعي – الاقتصادي كما تولي اهمية كبيرة للشأن السياسي.

شاهد أيضاً

الأخبار»: هندسة «الغيريّة» واختراق الحصون الأكاديمية

في وقتٍ يبدو فيه الانقسام اللبناني أفقياً، يأتي العدد 5891 من جريدة «الأخبار» ليعكس محاولة …