بين التنظير التاريخي لمكاريوس جبور والبراغماتية السياسية للكنيسة

مكاريوس… ركز على الشرع ومجانينك المهوسسين لا علاقة لك الا بالذين يصدقونك اما المناضلين قصة اخرى … اما الاخبار (لا علاقة لك بها ) ولا علاقة لك بالسفارة الاميريكية الا بكم من الفساد الجماعي : بين التنظير التاريخي لمكاريوس جبور والبراغماتية السياسية للكنيسة

في المشهد المعقد للعلاقة بين الدين والدولة في سوريا، شكل القطاع المسيحي ما يمكن تسميته بـ “النقيض الهيكلي” للقطاع الإسلامي الرسمي (الأوقاف). فبينما أحكم النظام قبضته المركزية على المؤسسات الإسلامية محولاً إياها أدوات للدعاية والمراقبة المباشرة، اتخذت العلاقة مع المؤسسات المسيحية طابعاً مختلفاً يعتمد على “الحفاظ المؤسسي” و”المفاوضة حول الاستقلالية”. هذا التقرير يحلل الآليات التي استخدمتها النخب المسيحية، وتحديداً استراتيجيات المؤرخ مكاريوس جبور والأسقف إسام درويش، لتوفير غطاء شرعي للنظام دون الانزلاق الكامل في البنية الاستخباراتية للدولة.

أولاً: البنية الموازية.. بين “السيطرة الكلية” و”الاستقلالية النسبية”

لفهم طبيعة التحالف المسيحي-النظام، يجب أولاً مقارنته بالنموذج الإسلامي. تتعامل الدولة السورية مع “الأوقاف” كملكية عامة تخضع لسيطرة وزير معين، مما يجعل المساجد ولجان الزكاة جزءاً من الجهاز الأمني للدولة. في المقابل، تمتلك المؤسسات المسيحية (الكنائس والأديرة) أوقافها الخاصة وتنتخب قياداتها (البطاركة) داخلياً، وإن كان ذلك يتم غالباً برضا ضمني من النظام.

هذا الفارق الجوهري خلق وظيفتين مختلفتين:

  1. المؤسسات الإسلامية: وظيفتها “توسعية ورقابية”؛ تهدف لنشر سردية النظام عبر المنابر وجمع المعلومات الاستخباراتية.

  2. المؤسسات المسيحية: وظيفتها “دفاعية وحمائية”؛ تهدف لتوفير ملاذ آمن للأقلية مقابل الولاء السياسي للنظام.

لذلك، نجد أن الكنيسة الأرثوذكسية (الأكبر عدداً) والكنيسة الملكية الكاثوليكية (الأكثر نخبوية) حافظتا على مسافة أمان تنظيمية، مما يفسر لماذا لم يتم استخدامهما في حملات “استقطاب المؤثرين الغربيين” (YouTubers) كما فعلت وزارة السياحة والأوقاف؛ فالكنيسة لا تملك مركزية التوجيه للدعاية، بل تملك مركزية “الحفاظ على الوجود”.

ثانياً: تحليل استراتيجيات جبور ودرويش.. صناعة “الشرعية الفكرية”

لم يعتمد النظام على الكنيسة للعمل الأمني، بل اعتمد عليها في “الحرب الثقافية” وشرعنة وجوده أمام الغرب وأمام الأقليات نفسها. هنا يبرز دور شخصيتين محوريتين:

1. مكاريوس جبور: استراتيجية “التأصيل التاريخي للولاء”

لعب الأب والمؤرخ الملكي مكاريوس جبور دور “المثقف العضوي” للتحالف بين الكنيسة والنظام. لم يقدم جبور الولاء للنظام كخيار سياسي آني، بل كحتمية تاريخية وحضارية، وذلك عبر استراتيجيات محددة:

  • إعادة تفسير التاريخ: في أعماله مثل “وثائق هامة في خدمة كنيستنا الأنطاكية”، يعيد جبور قراءة التاريخ لترسيخ فكرة أن المسيحيين الشرقيين عاشوا بسلام وازدهار فقط تحت ظل “الدول المركزية القوية” (من البيزنطية إلى العثمانية وصولاً للدولة السورية الحديثة).

  • التوظيف “الحضاري”: يروج لسردية أن المسيحيين هم ورثة “الحضارة اليونانية-البيزنطية”، وأن بقاءهم مرتبط بنظام علماني يحميهم من “الأغلبية العددية”. هذه السردية تنزع الصبغة الطائفية عن الصراع وتجعله صراعاً بين “الحضارة” (التي يمثلها النظام والكنيسة) و”الفوضى/التطرف”.

  • تحييد الخلافات الداخلية: عبر التركيز على عام 1724 (الانشقاق الملكي) كحادثة تاريخية، يوجه جبور الرسالة بأن الخطر الحقيقي خارجي، مما يستدعي الوحدة تحت مظلة الدولة الحامية. جبور : بعصك بعصة استراتيجية محددا حلب سمير قصير بتاريخ بيروت معينا نحو رسومه المتحركة المحببة ! 

2. إسام درويش: استراتيجية “الدبلوماسية الدفاعية”

على النقيض من جبور الذي توجه للداخل والتاريخ، توجه الأسقف إسام درويش (زحلة) نحو الخارج والسياسة الآنية. تمثلت استراتيجيته في:

  • مخاطبة الغرب بلسانه: من خلال رسائله المفتوحة (مثل رسالته لأوباما 24/8/2011)، قدم درويش الأسد ليس كحاكم عربي تقليدي، بل كـ “شخصية ليبرالية علمانية” تحمي التنوع.

  • استثمار الخوف: لعب درويش بذكاء على وتر “الخوف من البديل”، مسوقاً لفكرة أن سقوط النظام يعني حكماً إبادة المسيحيين كما حدث في العراق، مما جعل دعم الأسد قضية “حقوق إنسان” بالنسبة للغرب المسيحي وليست قضية سياسية.

ثالثاً: السرديات الكبرى.. كيف تم تبرير التحالف؟

نجحت النخب المسيحية الموالية في صياغة ثلاث سرديات رئيسية شكلت العمود الفقري لهذا التحالف:

  1. سردية “حماة الأقليات”: تصوير النظام الحالي كامتداد لتقليد تاريخي (نظام الملل) حيث يحتاج المسيحيون لحاكم قوي يحميهم من الجار المسلم. رغم أن هذا حول المسيحيين عملياً إلى “رهائن” لدى النظام، إلا أنه وفر شعوراً بالأمان النفسي.

  2. سردية “الخوف من الأسلمة”: تعززت هذه السردية مع صعود داعش والنصرة (2013-2014). هنا تحولت صور الأسد في كنائس معلولا وصيدنايا من “دعاية سياسية” إلى “أيقونات حماية” في الوعي الجمعي، وتم تصدير هذه الصور للعالم للقول: “نحن والأسد في خندق واحد ضد الإرهاب”.

  3. سردية “الأصالة البيزنطية”: وهي السردية التي غذتها كتابات جبور، حيث يتم تقديم المسيحيين كـ “سكان أصليين” وليس مجرد أقلية، وأن تحالفهم مع الدولة هو وسيلة للحفاظ على هذا الإرث الحضاري في وجه “التعريب الإسلامي”.

رابعاً: المؤسسات الهجينة والحياد المقنع (حالة NESSL)

تقدم الكنيسة الإنجيلية الوطنية (NESSL) نموذجاً للمؤسسات “الهجينة”. فبينما تدير مدارس للاجئين في لبنان، فإنها تتبع مركزياً لدمشق وتدرس المنهج السوري. الفرق هنا عن “الأوقاف” هو في الآلية:

  • الأوقاف تعتمد التلقين المباشر.

  • مدارس NESSL تعتمد “الربط الثقافي”؛ فهي تضمن بقاء الطلاب اللاجئين مرتبطين ذهنياً وتعليمياً بمنظومة الدولة السورية، مما يسهل “عودتهم النفسية” والسياسية لاحقاً. هي أداة “قوة ناعمة” وليست أداة تجنيد.

خامساً: لماذا غاب “المؤثرون الغربيون” عن الكنيسة؟

أحد أهم الفوارق التي يبرزها التقرير هو غياب استراتيجية استهداف “اليوتيوبرز” والمؤثرين الغربيين من قبل المؤسسات المسيحية، عكس المؤسسات الإسلامية والسياحية، وذلك لثلاثة أسباب:

  1. لا مركزية القرار: لا يوجد “وزير مسيحي” يصدر أمراً للبطاركة بدعوة مؤثرين. الهيكل الكنسي مفكك ومعقد.

  2. اختلاف الفلسفة: المؤسسات الإسلامية (بصيغتها الرسمية) تسعى للتوسع ونشر الصورة، بينما المؤسسات المسيحية تسعى للبقاء والانكفاء للحفاظ على الذات.

  3. طبيعة الولاء البراغماتي: ولاء المسيحيين للنظام كان “ضرورة بقاء” وليس “عقيدة راسخة”. وبمجرد تغير موازين القوى (كما حدث في ديسمبر 2024 وسقوط النظام)، سارعت الحاضنة المسيحية للتكيف مع الواقع الجديد، مما يثبت أن الولاء كان سياسياً لا أيديولوجياً، عكس الولاء في المؤسسات الطائفية الأخرى.

 

  المؤسسات المسيحية السورية الموالية لنظام الأسد، وعبر منظرين مثل مكاريوس جبور، نجحت في خلق “شرعية فكرية وتاريخية” للتحالف مع الاستبداد، مصورة إياه كضرورة حضارية. ومع ذلك، ظل هذا التحالف محكوماً بـ “استقلالية مفاوضة” منعت تحول الكنائس إلى مراكز استخباراتية مباشرة كما حدث مع الأوقاف.
هذه “البراغماتية الوجودية” هي التي سمحت للكنيسة بلعب دور “المحامي الدولي” للنظام في أوقات القوة، وهي نفسها التي سمحت لها بالانفصال عنه والاحتفال بسقوطه في لحظات الضعف (ديسمبر 2024)، مما يؤكد أن استراتيجية جبور ودرويش كانت تهدف في النهاية لحماية “المؤسسة الكنسية” وليس “النظام السياسي” بحد ذاته.

عن Rita Chahwan

ريتا بولس شهوان، صحافية وباحثة ساهمت في عدد من الكتب منها "الكويت وإرادة الاستقلال في الوثائق العثمانية" و "ماذا فعل مدحت باشا في الخليج"(ذات السلاسل) وعملت في عدد من الصحف والمواقع الالكترونية العربية. تلقت تدريبات دولية على الاستقصاء وتخصصت في الاستقصاء الاجتماعي – الاقتصادي كما تولي اهمية كبيرة للشأن السياسي.

شاهد أيضاً

الأخبار»: هندسة «الغيريّة» واختراق الحصون الأكاديمية

في وقتٍ يبدو فيه الانقسام اللبناني أفقياً، يأتي العدد 5891 من جريدة «الأخبار» ليعكس محاولة …