من يمول الدولة حين ينهار عقدها الاقتصادي؟
الأمن والقانون والإعلام في قبضة الدولة العميقة
في بلد كلبنان، لم يعد السؤال المركزي هو: هل توجد دولة أم لا؟ بل: من يمول هذه الدولة، ولحساب من تعمل، وكيف تُستخدم مفاهيم الأمن والقانون والإعلام في تكريس سلطة الدولة العميقة التي يحكمها الفساد؟
انهار العقد الاقتصادي الذي قام عليه لبنان لعقود، لكن الدولة لم تسقط؛ استمرّت في تحصيل الضرائب، ودفع رواتب منقوصة، وعقد مؤتمرات عن الإصلاح ومكافحة الفساد. في الخلفية، تعمل شبكة متداخلة من العائلات السياسية – الطائفية، والأجهزة الأمنية والعسكرية، والمصارف، والقضاء والإعلام، على إعادة إنتاج نفسها. هنا يصبح القانون واجهة، والأمن أداة، والإعلام غطاء، فيما التمويل الحقيقي يأتي من مصادر لا تشبه أبداً نموذج الدولة الحديثة.
هذا المقال يحاول تفكيك هذا المشهد انطلاقاً من سؤال واحد: في ظل فرط العقد الاقتصادي، من يمول الدولة، وكيف يتفاعل الأمن والمفاهيم القانونية والإعلام مع بنية الدولة العميقة؟
أولاً: انهيار العقد الاقتصادي القديم
منذ ما بعد الحرب الأهلية، عاش لبنان على نموذج اقتصادي يمكن تلخيصه بثلاث كلمات: الريوع، الديون، الزبائنية.
تحويلات المغتربين، ودائع ضخمة في المصارف، دعم خليجي ودولي متقطع، سياحة وخدمات مصرفية، مقابل دولة تنفق بإسراف على شبكة واسعة من التوظيفات والصفقات والمحاصصة، وتراكم دَيناً عاماً هائلاً، من دون بناء اقتصاد منتج أو نظام ضريبي عادل.
هذا النموذج انفجر بعد 2019. انهارت الليرة، تبخّرت المدّخرات، تراجعت تدفقات الرساميل، وتحوّل البلد إلى إحدى أسوأ حالات الانهيار المالي في تاريخ الاقتصادات الحديثة.
ومع ذلك، لم تُعلن الدولة إفلاسها بشكل شفاف، ولم تُحسم الخسائر بصورة عادلة؛ بل انتقلت إلى طور جديد من التمويل القسري والفوضوي:
-
تعويض انهيار الإيرادات بطباعة نقدية وتضخم.
-
رفع ضرائب ورسوم وجمارك على مجتمع مفلس.
-
الاعتماد المتزايد على مساعدات خارجية إنسانية وأمنية.
-
تغوّل اقتصاد موازي وتهرّب ضريبي واسع، يحظى بالحماية السياسية والأمنية.
-
هكذا انقطع العقد الاقتصادي القديم من دون توقيع عقد جديد مع المجتمع، فبرز سؤال: إذا كانت الدولة لا تموّل نفسها عبر عقد اجتماعي – اقتصادي عادل، فمن يمولها إذاً؟
ثانياً: خريطة التمويل في دولة منهارة
يمكن رسم خريطة تمويل الدولة اليوم في أربعة مسارات متشابكة، تقدّم معاً صورة «من يدفع ثمن استمرار النظام»:
1. التمويل الداخلي الجبائي – التضخمي
الدولة اللبنانية تعيش أولاً على إيرادات جبائية غير عادلة:
-
ضرائب ورسوم تُستوفى بالدولار أو على أسعار صرف مرتفعة، في حين تبقى الرواتب والأجور في القطاعين العام والخاص متآكلة.
-
«دولار جمركي» ورسوم على الاستيراد تُستخدم لسدّ عجز آني، لا لبناء سياسة اجتماعية أو استثمار منتج.
-
تمويل بالعجز عبر طباعة الليرة، ما يعني عملياً اقتطاعاً غير معلن من دخول المواطنين عن طريق التضخم.
-
بهذا المعنى، المجتمع المفقَر يمول الدولة عبر نزيف بطيء، من دون تمثيل سياسي فعلي أو عقد ضريبي عادل، فيما تمتنع الطبقات العليا وشبكات المصالح عن تحمّل حصتها الحقيقية من الخسائر.
2. التمويل الخارجي الإنساني والأمني
في موازاة ذلك، يتدفق تمويل كبير من الخارج، لكن ليس إلى خزينة الدولة مباشرة:
-
وكالات الأمم المتحدة والمنظمات الدولية تموّل برامج الصحة والتعليم والحماية الاجتماعية والغذاء والسكن، غالباً بطريقة تتجاوز القنوات الرسمية أو تضبطها بإحكام، نتيجة فقدان الثقة بالسلطة.
-
-
الجيوش والقوى الأمنية تتلقى دعماً مباشراً من دول غربية وخليجية: رواتب إضافية، محروقات، معدات غذائية ولوجستية، بهدف منع انهيار الأجهزة التي يُنظر إليها كآخر أعمدة «الاستقرار».
-
مقال أكاديمي حول كيفية عمل القطاع الأمني في ظل انهيار الدولة يُظهر كيف اعتمدت القوى الأمنية على مساعدات خارجية، والتفاف على القوانين، وممارسات ريعية للبقاء، في مقابل ازدياد الفساد والزبائنية داخل هذه الأجهزة.
بهذا تصبح المؤسسات الأمنية «ممَوَّلة» جزئياً من الخارج، ما يخلق علاقة ولاءات متشابكة بين العواصم المانحة، والسلطة السياسية، والأجهزة نفسها.
3. التمويل الموازي: قوى مسلحة وشبكات ظل
إلى جانب الدولة الرسمية، تعمل منظومات تمويل موازية، أبرزها نموذج حزب الله:
-
تمويل أساسي من إيران، لم ينقطع حتى خلال الأزمة، ما مكّن الحزب من الاستمرار في دفع الرواتب وتقديم الخدمات الاجتماعية لجمهوره.
-
-
مؤسسات مالية بديلة مثل جمعية «القرض الحسن»، التي تحوّلت إلى ذراع مصرفي – اجتماعي خارج النظام المصرفي الخاضع لرقابة مصرف لبنان، تستقطب السيولة من عشرات آلاف المودعين وتقدم خدمات ائتمانية في ظل الانهيار.
-
هذا التمويل الموازي ليس مسألة تقنية مصرفية فقط؛ بل هو مسألة سيادية، كما تكشف المناقشات والقرارات والعقوبات الأخيرة المرتبطة بـ«القرض الحسن» ومحاولات ضبطه أو إدماجه.
هنا يغدو السؤال: من يمسك بالقرار المالي – الأمني؟ الدولة الرسمية أم الشبكة المسلحة الممولة خارجياً؟
4. رأس المال الفاسد والاقتصاد غير النظامي
مسار رابع للتمويل يتمثّل في:
-
اقتصاد نقدي ضخم خارج القطاع المصرفي، مع تهرّب ضريبي واسع يشكّل جزءاً كبيراً من الناتج.
-
-
تدفقات مالية غير مشروعة، وغسل أموال، وتهريب سلع ووقود، تستفيد منها شبكات سياسية – أمنية – تجارية محمية من المحاسبة.
-
-
مليارات الدولارات التي هرّبتها النخب السياسية والمصرفية إلى الخارج قبل وبعد الانهيار، بينما تُركت الخسائر للمودعين والخزينة العامة.
-
بفعل ذلك كله، تتحول الدولة إلى واجهة مالية عليلة، فيما التمويل الحقيقي يجري عبر قنوات موازية: مانحون دوليون، قوى مسلحة، اقتصاد ظل، ورأسمال فاسد متصالح مع المنظومة.
ثالثاً: الدولة العميقة كمنظومة تمويل وسلطة
مصطلح «الدولة العميقة» في الحالة اللبنانية لا يحيل إلى جهاز واحد خفي، بل إلى بنية تشاركية تجمع:
-
العائلات السياسية والطائفية التاريخية.
-
الرأسمال المصرفي والمالي الذي استفاد من الهندسات والديون العامة.
-
-
الأجهزة الأمنية والعسكرية، بما فيها هياكل الاستخبارات والبيروقراطية الأمنية.
-
-
أجزاء واسعة من القضاء، عبر التعيينات والمحسوبيات والحصانات والتدخلات المباشرة.
-
-
شبكات الإعلام الكبرى المملوكة أو الممولة من ذات القوى.
-
هذه البنية هي التي تحدد فعلياً:
-
ما الذي يُطبَّق من القانون وما الذي يُجمَّد.
-
أي ملفات فساد تُفتح وأيها تُقفل.
-
أين ينفَّذ القانون بصرامة، وأين يتم غضّ النظر عن التهريب والاحتكار والتمويل الموازي.
-
كيف تُستخدم مفردات مثل «الأمن القومي»، «السلم الأهلي»، «هيبة الدولة» لتبرير تعطيل التحقيقات أو ملاحقة القضاة والصحافيين بدل محاسبة المتورطين.
-
هكذا لا يصبح السؤال فقط: من يمول الدولة؟ بل: من يملك حق تعريف ما هي «مصلحة الدولة» ومن يملك مفاتيح أجهزة الردع والشرعنة؟
رابعاً: الأمن بين النص القانوني وواقع الفساد
من حيث المبدأ، المنظور القانوني للأمن يفترض أن وظيفة الأجهزة الأمنية والعسكرية هي حماية الحقوق والحريات والنظام العام ضمن إطار سيادة القانون. لكن الدراسات حول القطاع الأمني في لبنان تظهر صورة مختلفة:
-
تقارير عدّة تحدّثت عن «مخاطر فساد مرتفعة جداً» في مؤسسات الدفاع والأمن، تشمل غياب الشفافية في الموازنات، وضعف الرقابة البرلمانية، وتفشّي المحسوبيات في التعيينات والعقود والصفقات.
-
-
ورقة حول إصلاح القوات المسلحة اللبنانية تشير إلى فضائح فساد مالية طالت ضباطاً كباراً، وغياب نشر مراجعات مالية علنية لسنوات، وتوسّع الإنفاق خارج الموازنة.
-
-
دراسة حديثة عن عمل القطاع الأمني وسط انهيار الدولة توضح كيف لجأت الأجهزة إلى التمويل الخارجي، والالتفاف على الأنظمة، والانخراط في أنشطة ريعية وتجارية، ما زاد من تسييسها وزاد مخاطر الفساد بدل الحدّ منه.
-
في هذا السياق، يصبح الأمن:
-
جزءاً من اقتصاد سياسي للانهيار: رواتب مدعومة خارجياً، صفقات داخلية، أعمال ثانوية لعناصر الأجهزة، علاقات مع قوى خارجية ومحلية لتمرير الأنشطة.
-
أداة انتقائية لإنفاذ القانون: تشدّد في مواجهة المحتجين والناشطين والصحافيين، وتهاون أو تواطؤ في ملفات تهرّب جمركي، احتكار، تهريب وقود، أو حماية شخصيات نافذة.
-
بهذا تختلّ العلاقة بين الأمن كقيمة قانونية والأمن كأداة في يد الدولة العميقة، فيغدو القانون نفسه مادة مرنة تُستخدم لمصلحة الشبكة لا لمصلحة المجتمع.
خامساً: الإعلام بين «سلطة رابعة» و«لزقة أبدية»
في النظرية الديمقراطية، الإعلام هو سلطة رقابية، يراقب السلطة، يفضح الفساد، ويوسّع من مساحة النقاش العام الحر. لكن التجربة اللبنانية تكشف تناقضاً حاداً بين هذا الدور المعياري والواقع.
من جهة البنية:
-
معظم القنوات التلفزيونية والصحف الكبرى مملوكة مباشرة من زعماء طوائف أو رجال أعمال مرتبطين بهم، أو من مصارف تتحصّن عبر الإعلام.
-
-
هذا يجعل الإعلام جزءاً من شبكة توزيع المنافع والولاءات، لا مؤسسة مستقلة عن الطوائف والأحزاب.
من جهة القانون، معركة قانون الإعلام الجديد تكشف عمق الأزمة:
-
تقارير منظمات حقوقية وصحافية بيّنت أن مشاريع قوانين الإعلام المطروحة منذ سنوات سجّلت تقدماً أولياً (إلغاء عقوبات الحبس في قضايا الرأي، تنظيم الإعلام الإلكتروني)، ثم عادت التعديلات المقترحة وأدخلت قيوداً خطيرة.
-
-
تعديلات 2025، وفق مراجعات قانونية وحقوقية، أعادت تجريم القدح والذم والتحقير، وفتحت الباب أمام التوقيف الاحتياطي، وفرضت قيوداً على نشر معلومات مرتبطة بعمل البرلمان والهيئات الرقابية، وشدّدت شروط ترخيص الوسائل الإعلامية التقليدية والإلكترونية.
-
-
دراسات أخرى أشارت إلى أن قانون الإعلام بنسخته الحالية يمنع نشر محاضر اجتماعات مجلس الوزراء ومجلس القضاء الأعلى وغيرها، ما يتعارض مع قانون الحق في الوصول إلى المعلومات، ويحوّل السرّية إلى أداة لإخفاء ممارسات السلطة.
-
في الواقع العملي، وثّقت منظمات حقوقية عشرات القضايا التي استُخدمت فيها قوانين القدح والذم والتحقير لاستدعاء صحافيين وناشطين، وإخضاعهم للتحقيق أمام الأجهزة الأمنية، أو ملاحقتهم أمام القضاء، بسبب انتقادهم للفساد أو لرموز سياسية وحزبية.
بهذا يصبح الإعلام، كما وصِف بدقة، «لزقة أبدية»:
واجهة تعددية وضجيج دائم، لكن ضمن هوامش مرسومة بعناية من السلطة السياسية – المالية – الأمنية، بحيث لا يتجاوز الإعلام الخطوط الحمراء التي تهدد بنية الدولة العميقة نفسها.
مع ذلك، لا يخلو المشهد من محاولات مقاومة: مواقع ومنصات تحقيقية مستقلة، ومنظمات مثل «مهارات» وتحالفات للدفاع عن حرية التعبير، ومراكز بحث توثّق الانتهاكات، وتسعى لدفع قانون إعلام يحرّر الصحافة من الطائفية والزبائنية.
سادساً: المفاهيم القانونية بين الروح والنص والتشغيل
يُحبّ المسؤولون في لبنان استخدام لغة «الروح القانونية» و«سيادة القانون» و«الشفافية» و«مكافحة الفساد»، إلى جانب توقيع اتفاقيات دولية وخطط استراتيجية:
-
هناك اتفاقيات عربية ودولية لمكافحة الفساد صادقت عليها الدولة، واستراتيجية وطنية لمكافحة الفساد وخطط لإصلاح القضاء.
-
-
نُظمت مؤتمرات حول الحق في الوصول إلى المعلومات وكيفية تفعيل القانون الذي أُقرّ بعد سنوات من النضال، بدعم من الاتحاد الأوروبي ومنظمات دولية.
-
-
جرى إقرار تعديلات على السرية المصرفية وقوانين لمكافحة غسل الأموال في سياق ضغوط صندوق النقد والاتحاد الأوروبي.
-
لكن هذه الروح القانونية تصطدم بثلاثة مستويات من «التشغيل» داخل أركان النظام:
-
في الأجهزة الأمنية والعسكرية:
يُطبَّق القانون بشكل انتقائي يخدم موازين القوى، فتُحمى بعض الشبكات، ويُلاحق الأفراد والناشطون. الإصلاحات البنيوية تبقى شكلية ما دامت التعيينات والميزانيات والصفقات خاضعة للمحسوبيات والزبائنية.
-
-
في القضاء:
ملفات انفجار المرفأ، الجرائم المالية، الفساد الكبير، تعثّرت بفعل الحصانات والتدخلات السياسية، بينما جرى استخدام القضاء لملاحقة منتقدي السلطة أو عرقلة قضاة حاولوا الذهاب بعيداً. -
-
في الحقل المالي – المصرفي:
تعديلات السرية المصرفية وقوانين غسل الأموال أتت تحت ضغط خارجي، ولم تتحوّل فعلياً إلى محاسبة للنخب التي هرّبت الأموال أو راكمت أرباحاً غير مشروعة، بل تُستخدم غالباً لإرضاء المانحين وإثبات «التزام قانوني» شكلي.
-
هكذا يبقى «المفهوم القانوني» قائماً في النص، وربما في المؤتمرات والخطابات، لكنه عند نقطة الاصطدام بمصالح الدولة العميقة، يُعاد تفسيره وتفكيكه وتطويعه.
المفهوم، كما في سؤالك، «مفهوم وفق الروح القانوني»، لكنه في التطبيق يتفاعل مع أركان الدولة العميقة: أجهزة أمنية وعسكرية، مؤسسات قانونية وقضائية، عائلات سياسية ومصالح مالية وإعلامية، فينتج واقعاً مناقضاً تماماً لروح النص.
سابعاً: أسئلة في وجه مؤتمر عن الأمن والقانون والدولة العميقة
في مؤتمرات تُعقد اليوم حول «تفاعل الأمن والمفاهيم القانونية مع الدولة العميقة التي يتحكم فيها الفساد»، لا يكفي الحديث عن:
-
تحديث القوانين.
-
تدريب القضاة والعناصر الأمنية.
-
تعزيز القدرات التقنية للإعلام.
من دون مواجهة الأسئلة الجوهرية التالية:
-
من يمول الدولة اليوم فعلياً؟
مجتمع مفقر عبر ضرائب تضخمية، ومانحون دوليون يمولون قطاعات حيوية خارج الموازنة، وقوى مسلحة تملك مصادر تمويل موازية، واقتصاد ظل محميّ من المحاسبة. -
-
من يمسك بمفاتيح الأمن والقضاء والإعلام؟
هل هي مؤسسات محكومة بمنطق الخدمة العامة، أم شبكات عائلية – طائفية – مالية تستخدم هذه الأدوات لضبط المجتمع وتحصين مصالحها؟ -
كيف يمكن للقانون أن يتحرر من الدولة العميقة؟
لا عبر الصياغة فقط، بل عبر ضمان استقلال القضاء، وشفافية الموازنات الأمنية والعسكرية، وتحرير الإعلام من الطائفية والاحتكار، وربط التمويل الخارجي بإصلاحات حقيقية لا بمجرد نصوص شكلية.
-