الأزمة المالية والعزلة عن الأسواق العالمية لم تكن عادلة في تأثيرها. لكن عدم العدالة هذا لم يكن مصادفة عشوائية. كان نتيجة منطقية لبنية مؤسسية معيبة بشكل جذري — بنية حوّلت الضائقة الاقتصادية إلى أداة لإعادة توزيع الثروة من الشركات الرسمية الملتزمة بالقانون إلى شركات ونخب اقتصادية كانت متخصصة بالفعل في تجنب الالتزامات الضريبية والاجتماعية.
استفادت الشركات التي كانت بالفعل تهرب من الضرائب والمسؤوليات الاجتماعية بشكل كبير من الفوضى الناجمة عن الانهيار المالي. بينما معاناة الشركات الرسمية التي التزمت بالقوانين الضريبية تضاعفت — لا لأن القانون كان يعاقبها على سلوك سيء، بل على العكس، لأنها كانت ملتزمة.
هذا يعكس حقيقة مريرة وأساسية: في بلد حيث النظام الضريبي منحاز بشكل جذري، والحكومة ضعيفة بشكل تاريخي في فرض القانون، والسيادة القانونية غير موجودة بالفعل — الامتثال للقانون يُعاقَب، والتهرب يُكافأ. هذا النمط لم ينبثق من الفراغ. إنه انعكاس مباشر للبنية السياسية والمؤسسية للدولة اللبنانية.
القسم الثاني: البنية السياسية كمحرك للتهرب والتمييز
نظام الحكم اللبناني القائم على المحاصصة الطائفية والتقاسم الطائفي للسلطة خلق بنية حكم استخراجية (extractive institutions)، وليست شاملة (inclusive). في هذا النموذج، السلطة السياسية متركزة بأيدي نخبة محدودة من الزعماء الطائفيين الذين يستخدمون المؤسسات الحكومية كأدوات لتحقيق أرباح سياسية واقتصادية خاصة بدلاً من توفير الخدمات العامة أو إنفاذ القوانين بعدالة.
الوصول إلى الموارس الاقتصادية — سواء كانت العقود الحكومية أم التسهيلات البنكية أم الإعفاءات الضريبية — لا يعتمد على الجدارة أو المنافسة النزيهة، بل على الارتباط السياسي والعلاقات مع الزعماء الطائفيين. والشركات الموصولة سياسياً تتمتع بمزايا متعددة الطبقات: تحصل على معاملة تفضيلية من البنوك المملوكة (أو المسيطر عليها) من قبل نخب طائفية، فتستقبل ائتماناً بأسعار منخفضة وشروط متساهلة؛ تستفيد من إعفاءات ضريبية معينة أو معاملة ضريبية متساهلة. وتحصل على حماية من الرقابة والمساءلة — الأجهزة المالية والضريبية في لبنان ليست مستقلة بالفعل، وغالباً ما توقف تحقيقاتها عندما تمس مصالح طائفية حساسة.
الشركات غير الموصولة — خاصة الشركات الصناعية المتوسطة الرسمية — تترك في البرد. تفتقر إلى جميع هذه المزايا، وتدفع الضرائب الكاملة، ولا تملك حماية سياسية. النتيجة: نظام يحفز الشركات على البحث عن ارتباطات سياسية أو الانتقال إلى الاقتصاد غير الرسمي.
القسم الثالث: الحواجز البيروقراطية كأداة قسرية نحو الفلتان
تضاعفت هذه المشكلة بسبب البنية البيروقراطية المعيبة. لبنان يفتقر إلى سياسة وطنية موحدة للشركات الصغيرة والمتوسطة، وبدلاً من ذلك هناك شبكة معقدة من الوزارات والأجهزة المختلفة، كل منها بمتطلبات تنظيمية مختلفة وغالباً ما تكون متناقضة.
تسجيل شركة جديدة في لبنان يتطلب الالتنقال عبر حوالي 12 إجراء مختلف، تمتد على عدة أسابيع، وتنطوي على رسوم كثيرة وثغرات قانونية توفر فرصاً للرشاوى والفساد. أثناء هذا الانتظار المحبط، المتقدم يكتشف أن بإمكانه “القطع” من خلال علاقات شخصية أو رشوة محدودة. هذه التجربة غالباً ما تدفع أصحاب المشاريع الجدد — خاصة الصغار — نحو الاقتصاد غير الرسمي حيث لا حاجة للتسجيل.
الضريبة أيضاً غير معقولة ولا تميز. لبنان لا يفرق بين الشركات الصغيرة والكبيرة في معظم الضرائب — شركة صغيرة تدفع نفس السعر الضريبي (17%) مثل شركة كبيرة. بالإضافة إلى ذلك، يتطلب الامتثال الضريبي الوصول إلى محاسب ماهر وأنظمة دفتر أستاذ موثقة — وهي تكاليف قد تكون كبيرة جداً بالنسبة لشركة صغيرة جداً.
النتيجة: حتى الشركات التي تريد الامتثال قد تجد أن الامتثال غير مجدٍ اقتصادياً. الشركة الصغيرة التي تحاول الالتزام بجميع المتطلبات قد تجد نفسها في وضع تنافسي أسوأ بكثير من منافسيها غير الرسميين الذين ينفقون بضع مئات من الدولارات سنوياً على رشاوى محلية ويعملون نقداً بحتاً. هذا ليس خيار أخلاقي للشركة الصغيرة — إنه خيار اقتصادي قسري.
القسم الرابع: الانهيار المالي كمرآة للضعف المؤسسي الجذري
عندما بدأت الأزمة المالية في 2019، لم تكن هذه الضعاعة البيروقراطية والسياسية الموجودة مسبقاً بغير ذات صلة. بل أصبحت حادة وحاسمة وحتمية. انهيار النظام المصرفي أزال الطبقة الوسيطة من التمويل — كانت البنوك توفر ائتماناً قليل الجودة لكنه كان منتظماً وموثقاً. مع اختفاء هذا، اضطرت جميع الشركات إلى الاختيار بين خيارين حقيقيين فقط: إما البحث عن تمويل سياسي محمي (إذا كانت موصولة)، أو الانتقال إلى الاقتصاد غير الرسمي.
الشركات الموصولة سياسياً استفادت من الأزمة: كانت لديها قنوات تمويل بديلة (من خلال زعماء طائفيين أو مقرضين غير رسميين موثوقين مرتبطين بها). الشركات غير الموصولة وجدت نفسها مخيرة بين الإفلاس الفوري أو الانتقال إلى العمليات النقدية والغير موثقة.
لكن بمجرد انتقال الشركة إلى الاقتصاد غير الرسمي (حتى بدافع البقاء على قيد الحياة)، تصبح “ملوثة” من ناحية قانونية. بمجرد ما تتوقف عن دفع الضرائب بالكامل، تفقد الحق في الحصول على الحماية القانونية أو الخدمات الحكومية. من تلك النقطة فصاعداً، الحافز الاقتصادي والقانوني هو مواصلة العمل بدون توثيق — فالعودة إلى الاقتصاد الرسمي تعني الآن الاعتراف بسنوات من الانتهاكات والعقوبات الضريبية المحتملة والمصالحات.
هذا فخ معقد وممنهج: النظام يدفع الشركات نحو اللاتوافق أثناء الأوقات العادية، ثم عندما تأتي أزمة خارجية تجعل هذا اللاتوافق ضرورياً، لا يمكن للشركات العودة.
القسم الخامس: إعادة التوزيع المنهجية للموارد
النتيجة النهائية هي إعادة توزيع منهجية ومستمرة للموارس من القطاع الرسمي إلى القطاع غير الرسمي — وليس لأسباب عدالة اجتماعية أو جزائية، بل لأن النظام نفسه حفّز ذلك بشكل حتمي.
الشركات الصناعية الرسمية والمتوسطة تعاني من:
-
فقدان حصصها السوقية أمام منافسين غير موثقين يمكنهم تسعير أنفسهم بـ 15-20 بالمئة أقل (بسبب عدم دفع الضرائب)
-
قيود سيولة حادة لأنها تعتمد على النظام المصرفي الذي انهار
-
ضرائب أعلى بينما تفقد الإيرادات (لأن الحكومة تسعى لزيادة الإيرادات الضريبية من القطاع الرسمي)
-
في النهاية: الإفلاس أو الانتقال إلى الاقتصاد غير الرسمي، وبالتالي فقدان أي حق قانوني
من جانب آخر:
-
الشركات والنخب التي كانت بالفعل خارج النظام احتفظت بالسيولة والشبكات والحماية السياسية
-
الشركات الكبرى الموصولة سياسياً (البنوك، الشركات العقارية، المقاولون الكبار) استفادت من إعادة التمويل من بنك لبنان والحكومة، مما سمح لها بالبقاء على السطح حتى أثناء الأزمة الحادة.